تحركات من «البنك الأهلى» و«مصر» لاستعادة جاذبيتها..
أثار قرار بنك مصر برفع سعر الفائدة على شهادة الادخار “القمة” للمرة الثانية خلال شهرين حالة من الجدل والتساؤلات داخل القطاع المصرفي، خاصة مع ترقب الأسواق لاجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري خلال الشهر المقبل لحسم أسعار الفائدة.
وتزامنت هذه الخطوة مع تحركات مشابهة من البنك الأهلي المصري، ما دفع العديد من المراقبين إلى التساؤل حول أسباب هذا التوجه، ومدى إمكانية أن تشهد السوق المصرفية موجة جديدة من رفع العوائد على شهادات الادخار.
ويأتي هذا التحرك في وقت تشهد فيه السوق المصرية تغيرات اقتصادية متسارعة، تتطلب من البنوك البحث عن وسائل أكثر فاعلية للحفاظ على المدخرات المحلية وجذب سيولة جديدة، خاصة في ظل المنافسة القوية من أدوات استثمارية أخرى مثل الذهب والعقارات وأذون الخزانة.
ورفع بنكا الأهلي ومصر أكبر بنكين في القطاع المصرفي المصري سعر الفائدة على الشهادات ذات العائد الثابت إلى 17.85% وطرح شهادات جديدة بسعر فائدة متغير يصل إلى 19.5%.
وتعد هذه الزيادة الثانية خلال فترة قصيرة، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا لدى البنك نحو تعزيز جاذبية الشهادات الادخارية في مواجهة البدائل الاستثمارية الأخرى التي استقطبت جزءًا من أموال المدخرين خلال الفترة الماضية.
ويرى خبراء مصرفيون، أن رفع العائد يأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على قاعدة العملاء الحالية وجذب شرائح جديدة من المودعين، خاصة مع تزايد اهتمام المواطنين بالبحث عن استثمارات تحقق عوائد مستقرة وآمنة.
البنك الأهلي المصري شريك رئيسي في تحركات السوق
يعد البنك الأهلي المصري أكبر بنك حكومي في مصر، بينما يأتي بنك مصر في المرتبة الثانية من حيث حجم الأصول والودائع. ولذلك فإن أي تحركات تتعلق بأسعار الفائدة من جانب هذين البنكين غالبًا ما تؤثر بشكل مباشر على اتجاهات السوق المصرفية.
وخلال السنوات الأخيرة، اعتاد البنكان التنسيق في طرح شهادات الادخار ذات العوائد المرتفعة، خصوصًا في الفترات التي تتطلب جذب السيولة أو دعم أهداف السياسة النقدية. ولذلك يرى مراقبون أن تحركات البنك الأهلي وبنك مصر تمثل مؤشرًا مهمًا على توجهات القطاع المصرفي خلال المرحلة المقبلة.
وتستحوذ المؤسستان على نسبة كبيرة من ودائع العملاء في مصر، ما يجعل قراراتهما مؤثرة ليس فقط على المدخرين، ولكن أيضًا على البنوك المنافسة التي تسعى للحفاظ على حصتها السوقية.
تراجع الادخار يدفع البنوك للتحرك
تأتي هذه القرارات في ظل تراجع معدل الادخار المحلي إلى مستويات منخفضة. ووفقًا لتقرير صادر عن المعهد القومي للتخطيط، سجل معدل الادخار في مصر نحو 1.2% خلال العام المالي 2024/2025، وهو من أدنى المعدلات خلال العقود الأخيرة.
ويعكس هذا التراجع تحول شريحة من المواطنين نحو استثمارات أخرى يرون أنها أكثر قدرة على الحفاظ على قيمة الأموال في ظل المتغيرات الاقتصادية والتضخم، مثل شراء الذهب أو الاستثمار العقاري أو حتى الاحتفاظ بالسيولة بعملات أجنبية.
وأمام هذا الوضع، تسعى البنوك إلى استعادة جاذبية الادخار المصرفي عبر تقديم عوائد أعلى تشجع العملاء على إعادة توجيه مدخراتهم إلى الشهادات البنكية.
لماذا رفعت البنوك أسعار الفائدة؟
يرى الخبير المصرفي محمد عبد العال أن قرار رفع الفائدة على الشهادات يرتبط بعدة عوامل اقتصادية ومصرفية في الوقت نفسه.
فمن ناحية، تسعى البنوك إلى تقديم عائد حقيقي للمودعين يساعدهم على مواجهة آثار التضخم والحفاظ على القوة الشرائية لمدخراتهم. ومن ناحية أخرى، تهدف هذه الخطوة إلى استعادة جزء من الأموال التي خرجت إلى أوعية استثمارية بديلة خلال الفترة الماضية.
كما أن ارتفاع العائد على أذون الخزانة الحكومية دفع بعض البنوك إلى رفع العائد على الشهادات لتقليص الفجوة بين الأداتين، بما يحافظ على تنافسية المنتجات الادخارية أمام العملاء.
ويؤكد الخبراء أن شهادات الادخار لا تمثل فقط وسيلة لجذب الودائع، بل تعد أيضًا أداة مهمة تساعد البنوك على إدارة السيولة وتوفير مصادر تمويل مستقرة يمكن استخدامها في تمويل الأنشطة الاقتصادية المختلفة.
العلاقة بين القرار واجتماع البنك المركزي
تزامن رفع العائد على الشهادات مع حالة من الترقب لقرارات البنك المركزي المصري بشأن أسعار الفائدة الأساسية.
وكان البنك المركزي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير خلال الاجتماعات الأخيرة للجنة السياسة النقدية، ليستقر سعر عائد الإيداع عند 19% وسعر الإقراض عند 20%.
ورغم أن المركزي خفض أسعار الفائدة خلال الفترة الماضية بعد تراجع معدلات التضخم، فإن التطورات الإقليمية والعالمية دفعت الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها بشأن مستقبل السياسة النقدية.
ويرى محللون أن تحركات البنك الأهلي وبنك مصر قد تعكس رغبة في التحوط ضد أي متغيرات اقتصادية محتملة، والحفاظ على جاذبية الادخار بغض النظر عن اتجاه قرار البنك المركزي المقبل.
هل تلحق البنوك الأخرى برفع الفائدة؟
يعتقد خبراء القطاع المصرفي أن تحركات البنك الأهلي وبنك مصر قد تدفع بعض البنوك الأخرى إلى مراجعة أسعار العائد لديها خلال الفترة المقبلة.
وتختلف قرارات كل بنك وفقًا لاحتياجاته من السيولة واستراتيجيته التنافسية. فهناك بنوك تمتلك قاعدة ودائع قوية ولا تحتاج إلى رفع العائد بشكل كبير، بينما قد تجد بنوك أخرى أن زيادة الفائدة أصبحت ضرورة لجذب عملاء جدد أو منع انتقال المدخرات إلى مؤسسات منافسة.
كما تلعب المنافسة دورًا رئيسيًا في هذه القرارات، خاصة أن العملاء أصبحوا أكثر متابعة للفروق في العوائد بين البنوك المختلفة.







