يمثل “اتفاق الإطار” الذي أعلنته الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل تحولاً سياسياً يتجاوز حدود ترتيبات وقف الأعمال القتالية إلى محاولة تأسيس مسار طويل الأمد لإعادة صياغة المشهد الأمني في الجنوب اللبناني وشمال دولة الاحتلال الإسرائيلي.
فالاتفاق لا يكتفي بطرح آليات للتهدئة أو إعادة الانتشار، بل يربط بين الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، ضمن رؤية أمريكية تعتبر أن معالجة ملف الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة في إشارة لـ”جزب الله” تشكل المدخل الرئيسي لأي استقرار دائم.
ونشرت وزارة الخارجية الأمريكية، اليوم السبت، نص الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، في خطوة تعكس الرؤية الأمريكية الرامية إلى تحويل الترتيبات الأمنية إلى مسار سياسي أوسع، يهدف الاتفاق إلى معالجة أسباب النزاع بين لبنان وإسرائيل عبر تعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وإنهاء دور “حزب الله”.
وبينما قدمت بيروت الاتفاق باعتباره مساراً لاستعادة السيادة واستكمال تحرير الأراضي وعودة السكان، اعتبرته واشنطن وتل أبيب بداية لترتيبات جديدة تستبعد أي دور عسكري أو أمني للقوى المسلحة خارج مؤسسات الدولة، الأمر الذي أظهره الرفض المبكر الذي أعلنه “حزب الله” لبعض مضامين الاتفاق، بما يكشف أن اختبار التنفيذ قد يكون أكثر تعقيداً من مرحلة التفاوض نفسها.
خارطة طريق أمنية
ويعكس الاتفاق توجهًا نحو معالجة الجذور الأمنية للنزاع، عبر ربط أي انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية بإجراءات ميدانية تتعلق ببسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، بما يحول دون بقاء أي مراكز قوة عسكرية خارج إطار المؤسسات الرسمية.
وفي هذا السياق، أوضح نص الاتفاق أن الحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية التزمتا بعملية متبادلة ومتدرجة تستعيد بموجبها القوات المسلحة اللبنانية سلطة سيادية فعالة على كامل الأراضي اللبنانية، مقابل إعادة انتشار تدريجية لقوات الدفاع الإسرائيلية خارج الأراضي اللبنانية، على أن يجري ذلك بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية، وفق ترتيبات وآليات تحقق سترد في ملحق أمني خاص تدعمه الولايات المتحدة.
كما نص الاتفاق على تولي الجيش اللبناني تدريجيًا المسؤولية الأمنية الكاملة في مناطق تجريبية يجري الاتفاق عليها بين الجانبين، بما يسمح بعودة المدنيين وبدء جهود إعادة الإعمار بعد التأكد من استكمال إجراءات نزع السلاح وإزالة البنى العسكرية التابعة لتلك الجماعات.
احتكار الدولة اللبنانية للسلاح
وتكشف بنود الاتفاق أن الملف الأكثر حساسية يتمثل في إعادة حصر القوة العسكرية بيد الدولة اللبنانية، باعتباره المدخل الأساسي لأي تسوية طويلة الأمد بين الطرفين.
وبحسب النص المنشور، أعادت الحكومة اللبنانية التأكيد على التزامها “الحازم والذي لا رجعة فيه” باستعادة السيادة الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية، وإعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتحقيق النزع الكامل والمتحقق منه لسلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وضمان عدم اضطلاعها بأي دور عسكري أو أمني في لبنان مستقبلاً.
كما شددت بيروت على أن المؤسسات الرسمية وحدها تمتلك صلاحية اتخاذ قراري الحرب والسلم، رافضة أي ادعاء من أي دولة أو جهة غير حكومية بممارسة القوة أو القيام بدور أمني أو عسكري نيابة عنها.
مقاربة إسرائيلية للتهديدات الأمنية
ومن الجانب الإسرائيلي، يعكس الاتفاق محاولة لترجمة المطالب الأمنية التي طرحتها تل أبيب منذ سنوات إلى التزامات سياسية وأمنية ضمن إطار دولي مدعوم أمريكيًا.
وأكدت الحكومة الإسرائيلية في نص الاتفاق أن عملياتها العسكرية داخل لبنان جاءت نتيجة ما وصفته بالهجمات والتهديدات الصادرة عن الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها “حزب الله”، معتبرة أن إنهاء هذا التهديد عبر نزع سلاح تلك الجماعات وتفكيكها في مختلف المناطق اللبنانية سيؤدي إلى انتفاء الحاجة لأي وجود أو نشاط عسكري إسرائيلي مستقبلي داخل لبنان.
إعادة الإعمار والضمانات الدولية
ولا يقتصر الاتفاق على الترتيبات الأمنية، بل يتضمن برامج للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، يهدف إلى تعزيز فرص الاستقرار ومنع عودة التوترات المسلحة.
وينص الاتفاق على أن الولايات المتحدة ستقود جهودًا لحشد دعم دولي واسع لإعادة إعمار لبنان وإصلاح البنية التحتية وتنشيط الاقتصاد اللبناني، من خلال برامج للتعافي الاقتصادي ومساعدات إنسانية واستثمارات دولية، بالتوازي مع برنامج أمريكي لدعم قدرات الجيش اللبناني، على أن ترتبط أي مساعدات جديدة بمعايير رقابية صارمة ومؤشرات أداء قابلة للتحقق.
كما تعهد لبنان والولايات المتحدة بمنع وصول أموال إعادة الإعمار أو أي تدفقات مالية إلى جهات أو أفراد مرتبطين بالجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.
تمهيد لاتفاق سلام شامل
وتشير الصياغات الواردة في الوثيقة إلى أن الاتفاق الحالي لا يمثل تسوية نهائية بقدر ما يشكل إطارًا تمهيديًا لاتفاق أشمل في المستقبل.
ووفق النص المنشور، سيتولى الجانبان إنشاء مجموعات عمل لصياغة اتفاق سلام وأمن شامل، إلى جانب إطلاق مسارات مباشرة ومستمرة من التواصل السياسي والأمني برعاية أمريكية، مع التزام الطرفين بالعمل بحسن نية للوصول إلى سلام دائم واستقرار طويل الأمد.
كما تضمن الاتفاق تعهدًا متبادلاً بوقف الأعمال العدائية في المحافل السياسية والقانونية الدولية والعمل على معالجة الملفات الإنسانية، بما في ذلك البحث عن الرفات وإعادة المحتجزين.
“عون”: بداية استعادة الأرض والسيادة
وفي أول تعليق رسمي لبناني، قدم الرئيس اللبناني “جوزيف عون” الاتفاق باعتباره خطوة على طريق استكمال السيادة اللبنانية وإنهاء تداعيات الصراع المستمر منذ سنوات.
وقال “عون”، بحسب الرئاسة اللبنانية، إن اتفاق الإطار هو أول الطريق لتثمير تضحيات اللبنانيين، بما يسمح بعودة المواطنين إلى “أرضهم المحررة كاملة” وإعادة إعمار منازلهم في ظل سيادة دولة لبنانية لا شريك لها في سيادتها على أرضها وشعبها.
وأضاف أن الدولة اللبنانية ستواصل العمل حتى إنجاز هذا المسار بصورة كاملة، بما يضمن إنهاء الاحتلال والأسر والتبعية والوصاية، مؤكداً أن هذا الهدف يمثل التزامًا وطنيًا جامعًا.
“حزب الله” يرفض أي التزامات تمس السيادة
في المقابل، أظهرت مواقف “حزب الله” أن الطريق نحو تنفيذ الاتفاق قد يواجه تحديات سياسية داخلية تتعلق بمستقبل سلاح الحزب ودوره الأمني.
وقال الأمين العام لـ”حزب الله” “نعيم قاسم” إن إسرائيل لا تملك خيارًا سوى الانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية ووقف العدوان، مؤكداً أن أي التزام ينتقص من سيادة لبنان “لن يمر”.
وأضاف “قاسم” أن سقف السيادة اللبنانية يجب أن يبقى ضمن إطار تفاهمات 27 نوفمبر 2024 وعلى قاعدة حصر الترتيبات جنوب نهر الليطاني، مشددًا على أن “المقاومة مستمرة بوجودها وحضورها وقرارها”، وأنها تمثل “عماد استقلال لبنان وتحريره”.
كما دعا الأمين العام لـ”حزب الله” السلطة السياسية في لبنان إلى إعادة النظر في مسارها الحالي والعمل على توحيد الموقف الداخلي، مؤكداً استعداد “الحزب” للتعاون والحوار، ومشدداً على أهمية إعادة الإعمار ومعالجة الأوضاع الاجتماعية.
“نتنياهو”: الانسحاب مرتبط بتنفيذ الترتيبات الأمنية
وتشير التصريحات الإسرائيلية إلى تمسك تل أبيب بربط أي انسحاب إضافي من الأراضي اللبنانية بالتقدم في تنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في الاتفاق، ولا سيما ما يتعلق بنزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتعزيز انتشار الجيش اللبناني.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في كلمة له، أمس، أن إسرائيل ستنسحب من منطقتين في جنوب لبنان وتسلمهما إلى الجيش اللبناني بموجب الاتفاق الجديد الذي تم التوصل إليه في واشنطن، موضحاً أن إحداهما تقع شمال نهر الليطاني والأخرى جنوبه.
ووصف “نتنياهو” الاتفاق بأنه “انتصار كبير” لإسرائيل، معتبراً أنه يتيح لها الاحتفاظ بمعظم المناطق التي تسيطر عليها في جنوب لبنان إلى حين استكمال نزع سلاح “حزب الله”.
كما رأى أن الاتفاق يوجه ضربة للنفوذ الإيراني، قائلاً إن إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة يؤكدون أن مستقبل الترتيبات الأمنية بين البلدين ليس شأناً إيرانياً.
واشنطن: إيران وحزب الله خارج المعادلة
ومن الجانب الأمريكي، قدمت واشنطن الاتفاق باعتباره بداية مسار طويل نحو تسوية تاريخية بين البلدين، مع التركيز على البعد الإقليمي المتصل بدور إيران و”حزب الله”.
وقال وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” إن الاتفاق يشكل “إطارًا للسلام والأمن الدائمين” بين لبنان وإسرائيل، واصفًا ما تم التوصل إليه بأنه “بداية البداية” نحو مرحلة جديدة من الاستقرار.
وأضاف أن الاتفاق الثلاثي القائم على الأداء يجعل “إيران خارج المعادلة، و”حزب الله” خارج المعادلة، فيما يصبح طريق السلام بين إسرائيل ولبنان داخل المعادلة”، معتبراً أن نجاح هذا المسار سيفتح المجال أمام مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا لشعبي البلدين.
اختبار التنفيذ
ورغم الأهمية السياسية للاتفاق، فإن نجاحه سيظل مرتبطًا بقدرته على الانتقال من النصوص إلى التنفيذ العملي، خصوصًا في الملفات المرتبطة بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، وآليات الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، ومستقبل التوازنات الداخلية اللبنانية.
وبينما تنظر واشنطن وتل أبيب إلى الاتفاق باعتباره بداية مسار نحو سلام شامل، تكشف المواقف الصادرة من “حزب الله” أن المرحلة المقبلة ستشهد اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف المختلفة على التوفيق بين متطلبات التسوية الإقليمية والحسابات السياسية والأمنية الداخلية في لبنان.


