أعادت نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي استضافتها سويسرا فتح ملف التهدئة في لبنان، مع انتقال النقاش من الإطار السياسي العام إلى البحث في آليات ميدانية تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية.
وفي هذا السياق، برزت مواقف الرئيس اللبناني “جوزاف عون” باعتبارها مؤشراً على مقاربة رسمية تربط أي مسار تفاوضي بترسيخ السيادة الوطنية وإنهاء جميع أشكال النفوذ الخارجي والوجود العسكري غير الشرعي على الأراضي اللبنانية.
اتصالات دولية بعد اجتماعات سويسرا
وفي مؤشر على أهمية المسار الذي أطلقته المباحثات الأمريكية الإيرانية الأخيرة، تلقى الرئيس اللبناني “جوزيف عون“، اليوم الثلاثاء، اتصالاً هاتفياً من نائب الرئيس الأمريكي “جيه دي فانس” ووزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو”، جرى خلاله بحث التطورات المرتبطة بلبنان ومرحلة ما بعد اجتماعات سويسرا.
وتعكس هذه الاتصالات توجهاً أمريكياً نحو ترجمة التفاهمات السياسية إلى إجراءات تنفيذية مرتبطة بالوضع اللبناني، خصوصاً في ظل تزايد الحديث عن ترتيبات أمنية جديدة تهدف إلى منع تجدد المواجهات على الحدود الجنوبية.
وبحسب الرئاسة اللبنانية، أكد “فانس” و”روبيو” دعم واشنطن لمواقف الرئيس اللبناني والحكومة اللبنانية الرامية إلى بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية عبر الجيش والقوى الأمنية الرسمية فقط، وتعزيز السيادة الوطنية وتمكين الدولة من تنفيذ التزاماتها.
كما شددا على متابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال اجتماعات سويسرا، بما في ذلك العمل على تشكيل خلية تضم الولايات المتحدة ولبنان وإيران لتثبيت وقف إطلاق النار ومراقبة تنفيذ الإجراءات المرتبطة به، مع استمرار دراسة آليات تشكيل هذه الخلية وطبيعة عملها.
الرئيس اللبناني: التفاوض خيار لاستعادة الحقوق
وتزامناً مع الاتصالات الدولية، عقد “عون” اجتماعاً ضم قائد الجيش اللبناني الجنرال “رودولف هيكل” وأعضاء الفريق الاستشاري المواكب للمفاوضات اللبنانية الأمريكية الإسرائيلية، لمتابعة نتائج الجولة الخامسة من المباحثات الجارية.
وتشير هذه المتابعة إلى أن بيروت تنظر إلى المسار التفاوضي باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة تثبيت الاستقرار السياسي والأمني، بالتوازي مع الجهود الدولية الرامية إلى منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة جديدة.
وأكد الرئيس اللبناني أن التطورات الأخيرة أثبتت صحة خيار اللجوء إلى التفاوض باعتباره السبيل المعتمد دولياً لتحقيق الأهداف الوطنية واستعادة الحقوق، معرباً عن أمله في أن تكون الجولة الحالية حاسمة في مسار استعادة السيادة الكاملة وبسط سلطة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية.
وشدد “عون” على أن لبنان لن يقبل إلا بزوال الاحتلال الإسرائيلي عن جنوب البلاد وإنهاء الوصايات الخارجية في الوقت نفسه، معتبراً أن الدولة اللبنانية وحدها تشكل الضمانة لحماية جميع اللبنانيين وصون حقوقهم وحرياتهم.
تنسيق لبناني فرنسي حول المرحلة المقبلة
وفي موازاة الحراك الأمريكي، تلقى الرئيس “عون” اتصالاً هاتفياً من الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” تناول الأوضاع في لبنان والمنطقة على ضوء نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية في سويسرا.
ويعكس الانخراط الفرنسي استمرار الاهتمام الأوروبي بمسار التهدئة في لبنان، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات تتعلق بمستقبل الوجود الدولي في الجنوب وترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار.
وبحسب الرئاسة اللبنانية، بحث الرئيسان الوضع في الجنوب والخطوات اللاحقة بعد إعلان وقف إطلاق النار، كما تطرقا إلى نتائج قمة مجموعة السبع التي أكدت دعم لبنان.
وناقشا كذلك مستقبل الوجود الدولي في الجنوب في ضوء انتهاء مهمة قوات “اليونيفيل”، حيث أشار “ماكرون” إلى اتصالات سيجريها مع عدد من الدول الأوروبية لبحث إمكان استمرار مشاركة دولية في منطقة العمليات بعد بدء إجراءات انسحاب القوة الدولية مطلع عام 2027.
لبنان ضمن معادلة التفاوض الإقليمي
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه المؤشرات على إدراج الملف اللبناني ضمن التفاهمات الأوسع التي يجري بحثها بين واشنطن وطهران بشأن قضايا الأمن الإقليمي.
وتُظهر المعطيات المتداولة حول مفاوضات بورجنشتوك في سويسرا أن الجانبين يبحثان آليات ميدانية لتجنب التصعيد في لبنان بالتوازي مع معالجة الملفات السياسية والأمنية الأوسع، وهو ما يفسر تركيز الاتصالات الأخيرة على ترتيبات وقف إطلاق النار وآليات مراقبته.
وفي هذا السياق، كان قد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “إسماعيل بقائي” في تصريحات سابقة، إن الانتقال إلى مرحلة التفاوض بشأن الاتفاق النهائي يبقى مرتبطاً بتنفيذ بنود أساسية في مذكرة التفاهم، من بينها إنهاء العمليات العسكرية في لبنان عبر آلية لإدارة النزاع بمشاركة الأطراف المعنية والدولة اللبنانية.
كما كان نائب الرئيس الأمريكي “جيه دي فانس” قد أكد أمس، خلال مؤتمر صحفي في سويسرا أن المحادثات المتعلقة بلبنان لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن الساعات الماضية شهدت أ كثر الفترات هدوءاً على الأرض منذ أشهر.
وأضاف أن آلية جرى تطويرها خلال المفاوضات تهدف إلى منع خروج الأوضاع عن السيطرة، في إشارة إلى الجهود الرامية لتثبيت التهدئة بين إسرائيل وحزب الله.
مؤشرات على مرحلة اختبار
وتوحي مجمل المواقف الصادرة عن بيروت وواشنطن وباريس وطهران بأن لبنان دخل مرحلة ترتبط بشكل مباشر بمخرجات التفاهمات الأمريكية الإيرانية، في وقت تتلاقى فيه المساعي الدولية لتثبيت وقف إطلاق النار مع توجهات الدولة اللبنانية الرامية إلى استكمال بسط سيادتها على كامل أراضيها.
اقرأ أيضا: مفاوضات سويسرا تعيد رسم مشهد لبنان بين واشنطن وطهران وتل أبيب







