في وقت بدأت فيه مؤشرات التهدئة تنعكس تدريجيًا على حركة الملاحة في مضيق هرمز، كشفت التصريحات المتبادلة بين واشنطن وطهران عن استمرار فجوة واضحة في مقاربة الطرفين لملفات التفتيش النووي والعقوبات والأصول الإيرانية المجمدة، رغم تمسكهما بإبقاء مسار التفاوض قائمًا وعدم إظهار رغبة في العودة إلى التصعيد.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الجانبين يحاولان تثبيت أرضية تفاوضية جديدة بعد أشهر من التصعيد، إلا أن الخلاف لم يعد يقتصر على تفاصيل الاتفاق المحتمل، بل امتد إلى تفسير ما تم التوافق عليه أصلًا في مذكرة التفاهم التي تم توقيعها مؤخرا بين الطرفين، خاصة في ما يتعلق بآليات التفتيش النووي وتوقيت تنفيذ الالتزامات المتبادلة.
اختلاف المواقف بشأن التفتيش النووي
وتعكس التصريحات الأمريكية والإيرانية بشأن عمل المفتشين الدوليين وجود اختلاف واضح في قراءة المرحلة الحالية من المفاوضات، رغم اتفاق الطرفين على استمرار الحوار وعدم إغلاق باب التفاهم.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز“، اليوم الأربعاء، إن مفتشين أمريكيين سينضمون إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال زياراتها إلى المواقع النووية الإيرانية، مؤكدًا أن طهران وافقت على وجود المفتشين.
وأضاف “ترامب” أن الإيرانيين “وافقوا على المفتشين”، معتبرًا أن الجدل الدائر حول هذه المسألة يتناقض مع ما جرى التفاهم عليه.
لكن الرواية الإيرانية جاءت مختلفة، فقد نقلت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية “إرنا” عن نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية “كاظم غريب آبادي” تأكيده أنه لا يوجد أي برنامج حالي للوصول إلى المنشآت التي تعرضت للهجوم أو إلى المواد النووية، مشددًا على أن هذه القضايا لن تُبحث إلا في إطار اتفاق نهائي يتضمن إجراءات عملية لإنهاء العقوبات.
وأضاف “غريب آبادي” أنه لم يُعقد أي لقاء في سويسرا مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية “رافائيل جروسي”، معتبرًا أن بعض الروايات المتداولة بشأن التعاون النووي تندرج ضمن محاولات لفرض وقائع إعلامية قبل التوصل إلى اتفاق فعلي.
ويعزز هذا الاختلاف في المواقف، ما أعلنه رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفق ما نقلته شبكة “سي بي إس نيوز“، من أن الوكالة ستعود إلى تفقد المواقع النووية الإيرانية كما تم الاتفاق عليه، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى عدم وجود استعجال لتنفيذ هذه الزيارات في ظل الرسائل المتضاربة الصادرة من واشنطن وطهران.
العقوبات والأموال المجمدة على طاولة المفاوضات
وتكشف التصريحات الأخيرة أن ملف العقوبات لا يزال يمثل العقدة الرئيسية في المفاوضات، إذ تربط طهران أي تقدم عملي في الملفات الفنية والنووية بخطوات ملموسة تتعلق برفع القيود الاقتصادية.
وفي المقابل، حاول “ترامب” تقديم صورة مختلفة لمسار التفاهمات الاقتصادية، مؤكدًا عبر منصة “تروث سوشيال” أن الولايات المتحدة لم تقدم أي أموال لإيران ولم تفرج عن أصولها المالية بصورة مباشرة.
وأوضح الرئيس الأمريكي أن جزءًا من الأموال الإيرانية الخاضعة للسيطرة الأمريكية سيُستخدم لشراء سلع غذائية من الولايات المتحدة، تشمل الذرة والقمح وفول الصويا ومنتجات أخرى، لتلبية احتياجات السوق الإيرانية، ما يعكس تمسك واشنطن بالإشراف المباشر على أي استخدام للأموال المجمدة.
ويشير هذا الطرح إلى محاولة أمريكية للفصل بين الإفراج عن الأموال لأغراض إنسانية وبين رفع العقوبات بصورة شاملة، بينما تتمسك طهران بربط الملفات بعضها ببعض ضمن اتفاق نهائي متكامل.
مضيق هرمز بين التهدئة واستعادة النشاط
وبعيدًا عن التصريحات، تبدو حركة الملاحة البحرية أكثر تعبيرًا عن مناخ التهدئة من الخطاب السياسي المتبادل، إذ بدأت مؤشرات الانفراج تظهر تدريجيًا في واحد من أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.
وأفادت وكالة “رويترز” بأن السفن بدأت بالفعل العبور عبر مضيق هرمز ضمن خطة وضعتها المنظمة البحرية الدولية لإخراج السفن العالقة بسبب التوترات الأخيرة، ووفق المنظمة، فإن المبادرة ستتيح لمئات السفن ونحو 11 ألف بحار استئناف الحركة عبر المضيق.
ونقلت “رويترز” عن متحدث باسم المنظمة البحرية الدولية تأكيده أن السفن بدأت العبور بالفعل بموجب الخطة الجديدة، فيما أظهرت بيانات تتبع الملاحة مرور سفينتين للبضائع السائبة وسفينة شحن خلال الساعات الأخيرة، إلى جانب مغادرة ثلاث ناقلات نفط تحمل نحو خمسة ملايين برميل من الخام.
كما أوضحت المنظمة أن تنفيذ الخطة أصبح ممكنًا بعد التوصل إلى إطار لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مع اعتماد مسارين مؤقتين للملاحة، أحدهما عبر المياه الإيرانية والآخر عبر المياه المنسقة بين سلطنة عمان والولايات المتحدة.
تهدئة على الأرض وخلاف في المواقف
ورغم أن استئناف الملاحة في مضيق هرمز يشير إلى تراجع المخاوف الفورية بشأن أمن الممر البحري الأهم لنقل النفط عالميًا، فإن الخطاب السياسي المتبادل يكشف استمرار الحذر وانعدام الثقة بين الطرفين.
ويعكس ذلك أيضًا ما كتبه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “إسماعيل بقائي“، أمس على منصة “إكس”، والذي حذر من أن المبالغة في عرض المكاسب أو محاولة فرض روايات أحادية بعد الحرب قد تقوض فرص التفاهم، معتبرًا أن أي اتفاق مستدام يجب أن يقوم على “الاحترام والالتزام بالواقع”.
وفي المجمل، توحي التطورات الأخيرة بأن واشنطن وطهران نجحتا في إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، وأن التهدئة بدأت تنعكس على حركة التجارة والطاقة في مضيق هرمز، غير أن الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها التفتيش النووي والعقوبات والأصول الإيرانية المجمدة، لا تزال تنتظر تفاهمات أكثر وضوحًا قبل الانتقال إلى مرحلة تنفيذية كاملة.
اقرأ أيضا: مفاوضات سويسرا.. تقدم دبلوماسي وخلافات معلقة بين إيران وأمريكا





