كشفت النزاعات المسلحة التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، من أوروبا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، أن الحروب لم تعد مجرد مواجهات عسكرية، بل باتت تُفرز منظومات اقتصادية موازية تنمو كلما طال أمد الصراع.
فمع تراجع سلطة الدولة وتعطل التجارة الرسمية، وإغلاق المعابر، وتضرر البنية التحتية، وضعف الرقابة الحكومية، ينتقل جزء من النشاط الاقتصادي إلى قنوات غير رسمية تشمل التهريب، والتجارة غير المشروعة، وغسل الأموال، والاتجار بالموارد الطبيعية، لتتحول هذه الأنشطة تدريجيًا إلى أحد مصادر تمويل النزاعات وإطالة أمدها.
ويرى خبراء أن هذه الأنشطة لا تمثل مجرد نتائج جانبية للنزاعات، بل تتحول تدريجيًا إلى مصادر تمويل مستقلة تساهم في إطالة أمد الصراع وتغذي شبكات الجريمة المنظمة، ما يجعل تفكيكها أحد أكبر التحديات التي تواجه الدول بعد انتهاء الحروب.
وتشير “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” إلى أن التجارة غير المشروعة أصبحت جزءًا مؤثرًا من الاقتصاد العالمي، إذ تقدر قيمة تجارة السلع المقلدة والمقرصنة وحدها بنحو467 مليار دولار سنويًا.
وتوضح “المنظمة” أن هذه التجارة لم تعد تقتصر على المنتجات الفاخرة، بل تشمل الأدوية، وقطع غيار السيارات، والأجهزة الإلكترونية، ومستحضرات التجميل، والملابس، والمنتجات الغذائية، وهي سلع تنتقل عبر شبكات لوجستية معقدة تستغل ضعف الرقابة في بعض الدول ومناطق النزاع، الأمر الذي يسمح للجماعات الإجرامية بتحقيق أرباح ضخمة مع صعوبة تتبع مسارات الأموال والبضائع.
ولا تقتصر أرباح اقتصاد الظل على الجماعات المسلحة، بل تمتد إلى شبكات تهريب عابرة للحدود، ووسطاء، وشركات وهمية، وغاسلي أموال، ومهربي موارد طبيعية يستغلون هشاشة الدول.
ويؤكد “مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة” أن الجريمة المنظمة أصبحت أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، إذ لم تعد الشبكات الإجرامية تعتمد على نشاط واحد، وإنما تدير منظومات متكاملة تجمع بين تهريب البشر، والاتجار بالمخدرات، والاحتيال الإلكتروني، وغسل الأموال، واستغلال العملات المشفرة، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التكيف مع الصراعات وفتح مسارات جديدة للتمويل كلما تعطلت التجارة الرسمية.
ويشير “المكتب” إلى أن خسائر الاحتيال الإلكتروني في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وحدها تراوحت بين88.3 و114.1 مليار دولار خلال عام 2025، في مؤشر على تنامي قدرة الشبكات الإجرامية على تنويع مصادر دخلها وربطها بالاقتصاد غير الرسمي العالمي.
ويرى محللون اقتصاديون أن أخطر ما يميز اقتصاد الحرب هو أنه لا يوقف التجارة، بل يعيد تشكيلها، فمع إغلاق بعض الموانئ والمعابر وفرض العقوبات الاقتصادية أو تعطل سلاسل الإمداد، تنشأ طرق نقل بديلة تعتمد على وسطاء وشبكات تهريب ومنافذ أقل خضوعًا للرقابة، ويؤدي ذلك إلى انتقال جزء من حركة السلع والموارد إلى الاقتصاد الموازي، بما يحرم الحكومات من الإيرادات الجمركية والضريبية ويزيد من صعوبة مراقبة حركة البضائع ورؤوس الأموال.
وفي هذا السياق، تشير “منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية” إلى أن التوترات الدولية المتفاقمة تدفع نحو إعادة تشكيل شبكات التجارة العالمية وسلاسل التوريد، إذ تدفع الشركات والدول إلى البحث عن مسارات بديلة لسلاسل الإمداد، وهو ما يخلق بيئة يمكن أن تستغلها شبكات التجارة غير المشروعة للتوسع والعمل عبر الحدود مستفيدة من تعقيد حركة التجارة العالمية.
ولا تتوقف تداعيات اقتصاد الظل عند حدود الدول التي تشهد نزاعات، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، فكلما اتسعت الأسواق الموازية، ارتفعت تكاليف النقل والتأمين، وزادت مخاطر الاستثمار، وتعقدت حركة التجارة الدولية.
وترى “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” أن تفاقم الصراعات يرفع مستويات المخاطر الاقتصادية ويحد من وضوح الرؤية المستقبلية، ويضع ضغوطًا إضافية على سلاسل الإمداد العالمية، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالتضخم وتباطؤ النمو.
ويحذر خبراء “المنظمة” من أن ضعف الحكومات في مناطق النزاع يمنح شبكات التهريب فرصة للاندماج في التجارة الدولية عبر استخدام شركات واجهة ومستندات مزورة وعمليات إعادة تصدير، وهو ما يجعل كشف هذه الأنشطة أكثر تعقيدًا حتى بالنسبة للأجهزة الرقابية في الدول المستقرة.
وتشير تقديرات “صندوق النقد الدولي” إلى أن تفاقم الصراعات الدولية أصبح من أهم مصادر المخاطر الاقتصادية العالمية، نظرًا لما يسببه من اضطراب في التجارة والاستثمار وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
ويرى اقتصاديون أن اتساع الاقتصاد غير الرسمي في مناطق النزاع لا يحرم الحكومات من الإيرادات العامة فحسب، بل يضعف أيضًا قدرة الدول على تمويل الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار، وهو ما يطيل دورة التعافي الاقتصادي حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
وفي المحصلة، لم يعد اقتصاد الظل مجرد نتيجة جانبية للحروب، بل أصبح في كثير من النزاعات جزءًا من منظومة الصراع نفسها، يستفيد من استمرارها ويغذيها.
ويرى خبراء المنظمات الدولية أن تحقيق سلام مستدام لا يقتصر على وقف القتال، بل يتطلب أيضًا تفكيك اقتصاد الحرب، واستعادة النشاط الاقتصادي الرسمي، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروعة التي ترسخت خلال سنوات النزاع.
اقرأ أيضا: التهديدات الأمريكية والتصعيد البحري الإيراني يرفعان أسعار النفط







