“التريند” ذلك المسمى الذي ظهر بين ليلة وضحاها ليقلب حال العالم رأسًا على عقب، فبين الساعة والأخري بل الدقيقة والثانية أصبحت الهواتف على وضع الاستعداد، تنتظر أي هفوة أو فضيحة أو فاجعة لالتقاطها وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة في الحال.
ومع بث كل يوم مزيد من الفيديوهات تتعالى الأصوات التي تشكو من فقد الإنسانية، فكيف تقف أيادي المشاهدين متحجرة بهواتفهم أمام وجوه الضحايا بدلًا من الركض لمساعدتهم؟.
سؤال يراود الجميع مع كل فاجعة نشهدها، ورغم ذلك يجلس البعض بهدوء وهم يرددون ذلك السؤال بتعجب، ثم يضغطون بلا مبالاة على زر واحد، فينتشر الفيديو أكثر وأكثر، ويصبح أداة تعذيب لأهالي الضحايا.
فمع كل حادث أحزن مرة على الضحايا وآلاف المرات على من خلف الكواليس، هؤلاء الأشخاص الذين ربما يستيقظون على فيديو متداول يوثق مأساة أحبائهم، ملامح الذعر على وجوههم، صرخات الاستغاثة الأخيرة، ونظرة الوداع التي لا يفهمها سواهم.
ذلك القهر الذي يعيشه هؤلاء، ولم يلتفت له أحد، فالكل يشارك تحت مسمى فكرة نبيلة أما الدعاء أو العتاب، والصحف تبحث عن المشاهدات، الكل يركض خلف غايته، تاركين خلفهم قهر لا يُنسى، ومشاهد ستظل عالقة في ذكريات أحدهم، فلن يقوي على تخطيها أو محوها ذات يوم.
في حريق شقة العمرانية، والذي راح ضحيته خمسة أشخاص، جدة وأم وثلاثة أبناء، ووسط نظرات الأسرة اليائسة والنيران تحاوطهم رفع الجميع الكاميرات، ليوثقوا مقطعًا قصيرًا يكاد يفتك بقلب كل من يشاهده، فماذا سيشعر الأقرب إليهم؟، كيف لقلب أب أن يرى زوجته وأبنائه يسقطون أمامه الواحد تلو الآخر؟، كيف سيحتفظ ذلك الأب برجاحة عقله بعدما رأى ابنته والنار تلتهمها ثم تسقط أمامه وكأنها قطعة رماد؟.
مؤكد سينسى البعض مع الوقت مشهد تلك الأسرة بعدما يظهر “تريند” جديد، ولكنه سيظل محفورًا في عقل الأب.
في نفس توقيت انتشار فيديو حريق العمرانية، ظهر فيديو آخر ليزيد من وجع قلوبنا، لأب يحاول الفرار من النيران التي التهمت منزله مستخدمًا ملاءة، لكنه في لحظة أفلتها وسط صرخات أسرته التي تتابعه أعينهم دون استيعاب، حتى ارتطم جسده بالأرض ليرحل دون وداع.
كلما ستحاول هذه الأسرة أن تتناسى المشهد، ستعيده الكاميرات إلى ذاكرتها مرة أخرى، ليصبح ذلك الفيديو سوطًا يجلدها في كل لحظة، ولعنة تشعرها بالعجز تارة وبالندم تارة أخرى فمؤكد ستتمنى عودة ذلك اليوم مرة أخرى ليسير بسيناريو مختلف.
ومنذ عدة أشهر، تحديدًا في أبريل الماضي، ظهرت سيدة تُدعى بسنت سليمان، وهي توثق لحظة انتحارها من الطابق الثالث عشر في بث مباشر، ورغم رحيلها في الحال، إلا أن الفيديو تم تداوله بشكل كبير.
ابنتان تركتهما بسنت لتواجها بشاعة هذا الفيديو طوال حياتهما، وتتحسرا على والدتهما التي قررت الرحيل عنهما بإرادتها، لا أتخيل مشاعرهما في كل مرة تشاهدان فيها تلك اللقطات.
وربما من بين المشاهد التي وثقتها الكاميرات وظلت عالقة مع الكثيرين رغم مرور السنوات، حادث نيرة أشرف، الطالبة بجامعة المنصورة والتي قُتلت على يد زميلها محمد عادل لرفضها الارتباط به، في يونيو ٢٠٢٢، وتم تداول فيديو للجريمة أظهر المجرم وهو يجري خلف نيرة ويقوم بذبحها لتسيل دماؤها وسط الشارع.
يسترجع الجميع هذا المشهد مع كل جريمة قتل لفتاة، وكأنه أصبح محفورًا في ذاكرتنا من كثرة بشاعته، فماذا عن أهل نيرة؟.
أما المشهد الآخر فكان لطالب بكلية هندسة، انتحر بإلقاء نفسه من فوق برج القاهرة، في ديسمبر ٢٠١٩، ولكن هذا المشهد وثقته كاميرات المراقبة، وليست كاميرات المواطنين، إلا أنه من الفيديوهات التي ظلت صورتها في أعين الكثيرين، خاصة أن الحياة أعطته فرصة ثانية للتشبث بها عندما عُلقت ملابسه فلم يسقط، إلا أنه أصر على الرحيل.
كيف لوالدي ذلك الطالب تحمل تلك الفاجعة؟، وكيف يبررون إصراره على الرحيل وسط تشبث الحياة به؟!.
من قبل، كنت أشعر بالشفقة تجاه أبناء الفنانين، وأتساءل: كيف يشعرون مع كل فيلم يشاهدونه لوالدهم الراحل او والدتهم؟، أتخيل دموعهم التي تنهمر ما أن يروا ردود أفعالهم المختلفة أو ضحكاتهم التي أفتقدوها.
ولكن الآن أتساءل: كيف يقوي أهالي ضحايا الفواجع على الاستمرار في الحياة وتلك الفيديوهات تحاصرهم في كل مكان؟، أتوقع أن تلاحقهم تلك المشاهد ليس في يقظتهم فقط بل في أحلامهم، فلم يستطعوا العيش ولا النوم، لن ترتاح أعينهم في كل اللحظات، فالبعض يهرب من الذكريات السيئة بهجر الأماكن، ولكن كيف لعقولهم أن تهجر تلك المشاهد؟.
قد تضمن تلك اللقطات حقوق ضحاياها بالتأكيد؟ ولكن من يحافظ على حقوق ذويهم؟.




