مع تصاعد التوترات الأمنية في مضيق هرمز والبحر الأحمر، قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ أسابيع، مدفوعة بمخاوف متزايدة من اضطراب إمدادات الطاقة العالمية.
وجاء الارتفاع في أعقاب هجمات استهدفت ناقلات نفط سعودية بالبحر الأحمر، بالتزامن مع تبادل تهديدات حادة بين الولايات المتحدة وإيران، ما رفع مستوى القلق في الأسواق بشأن مستقبل إمدادات الطاقة ومسارات نقل النفط في المنطقة.
ويأتي الارتفاع الجديد في أسعار الخام في وقت تراقب فيه الأسواق عن كثب مسارات الشحن عبر مضيقي هرمز وباب المندب، وسط تصاعد التحذيرات من أن أي مواجهة مباشرة أو تعطيل طويل الأمد لحركة الملاحة قد ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة العالمية، التي باتت تضيف ما يُعرف بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية” إلى أسعار النفط.
هجمات على ناقلات النفط تشعل المخاوف
ويرى مراقبون أن رد فعل الأسواق لم يكن مرتبطًا فقط بالهجمات الأخيرة على السفن، بل أيضًا بالمخاوف من تحول استهداف الممرات البحرية إلى سياسة مستمرة قد تؤثر على تدفقات النفط القادمة من الخليج والبحر الأحمر، وهو ما يرفع احتمالات اضطراب الإمدادات ويدفع المتعاملين إلى إعادة تسعير المخاطر.
وفي هذا السياق، ارتفعت أسعار النفط بقوة، اليوم الخميس، بعد تقارير عن تعرض ناقلات لهجمات قبالة السواحل السعودية. ووفقًا لشبكة “سي إن بي سي“، صعدت عقود خام برنت الآجلة بنسبة 4.6% لتصل إلى 98.44 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ أواخر مايو، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 3.8% إلى 90.14 دولارًا للبرميل، مسجلًا أعلى مستوياته منذ الثامن من يونيو.
كما وضعت هذه المكاسب خام برنت على مسار تسجيل زيادة شهرية تبلغ 35.3%، وهي ثالث أكبر قفزة شهرية خلال العقد الأخير، بينما يتجه الخام الأمريكي لتحقيق مكاسب شهرية تقارب 30%.، بحسب “سي إن بي سي”.
الحوثيون يعلنون استهداف ناقلتين سعوديتين
وكانت قد أعلنت جماعة الحوثيين في اليمن تنفيذ عملية عسكرية استهدفت ناقلتين نفطيتين سعوديتين تحملان اسمي “ENCELIA” و”LAYLA”، باستخدام صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيرة، معتبرة أن السفينتين خالفتا قرار الحظر البحري الذي أعلنته الجماعة، وفق ما أوردته قناة “المسيرة” التابعة للحوثيين.
وفي سياق متصل، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن ناقلة تعرضت لإصابة على بعد نحو 70 ميلًا بحريًا جنوب غرب مدينة الشقيق السعودية، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها دون تسجيل إصابات بين أفراد الطاقم.
ويرى محللون أن استهداف ناقلات النفط في البحر الأحمر يضيف بعدًا جديدًا للمواجهات بين طهران وواشنطن، خاصة مع اعتماد جزء متزايد من صادرات النفط الخليجية على هذا المسار البحري، ما يجعل أي تهديد لحركة الملاحة عاملًا مباشرًا في رفع الأسعار العالمية.
وفي هذا الإطار، أشار موقع “أويل برايس” إلى أن أسعار النفط واصلت صعودها للجلسة الخامسة على التوالي، متجاوزة 98 دولارًا للبرميل، مع اقتراب الخام الأمريكي من مستوى 90 دولارًا.
وأوضح “الموقع” أن الأسواق باتت تسعّر بشكل متزايد احتمالات تعطل الإمدادات، بعد أن حققت أسعار النفط مكاسب تقارب 20% خلال نحو أسبوعين فقط، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
ونقل “أويل برايس” عن “مايا ويسترلوند”، الباحثة في بنك SEB السويدي، قولها إن التقارير المتعلقة باستهداف ناقلتين سعوديتين قرب مضيق باب المندب “زادت من المخاوف بشأن احتمالات التصعيد”.
واشنطن تصعد لهجتها تجاه إيران
وفي هذا السياق، صعّد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” من لهجته تجاه إيران، معلنًا عبر منصة “تروث سوشيال” أن الولايات المتحدة سترد على أي هجوم إيراني يستهدف السفن في مضيق هرمز عبر استهداف منشآت داخل إيران.
وقال “ترامب” إن الولايات المتحدة “ستقصف وتدمر جسرًا أو محطة كهرباء واحدة في كل مرة تطلق فيها إيران النار على سفينة في مضيق هرمز، سواء بصاروخ أو طائرة مسيرة أو أي وسيلة أخرى”، مضيفًا أن ذلك يشمل المنشآت الواقعة داخل العاصمة طهران أو بالقرب منها.
طهران ترفض تهديدات “ترامب” وتصفها بخرق القانون الدولي
في المقابل، اعتبرت إيران أن التصريحات الأمريكية تمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني وتصعيدًا خطيرًا يستهدف البنية التحتية المدنية.
ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “إسماعيل بقائي” قوله إن استهداف الجسور ومحطات الكهرباء المدنية “لا يمكن تبريره تحت أي ظرف”، مضيفًا أن الاستناد إلى أوامر عليا لا يعفي مرتكبي جرائم الحرب من المسؤولية الجنائية.
وأكد “بقائي” أن السياسات التي تستهدف المنشآت المدنية تعد “غير قانونية وإجرامية”، مشيرًا إلى أنها تندرج ضمن أعمال الانتقام والعقاب الجماعي المحظورة بموجب القانون الدولي والتشريعات الأمريكية ذات الصلة.
الحرس الثوري يرفع سقف التهديدات
وبالتوازي مع المواقف الدبلوماسية الإيرانية، صدرت رسائل أكثر تشددًا من قبل الحرس الثوري الإيراني، ما عزز المخاوف بشأن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز.
وذكرت وكالة “تسنيم” الإيرانية أن الحرس الثوري أعلن تعرض إحدى ثلاث سفن وصفها بـ”المخالفة” لحريق أثناء محاولتها العبور عبر ما اعتبره “مسارًا غير آمن” في مضيق هرمز، بينما عادت السفينتان الأخريان أدراجهما.
وأكدت القوة البحرية التابعة للحرس الثوري، بحسب البيان، أن مضيق هرمز “تحت السيطرة الإيرانية”، مضيفة أنه سيظل مغلقًا ما دامت الولايات المتحدة تواصل ما وصفته بأعمالها العدائية في المنطقة.
كما حذرت بحرية الحرس الثوري من أن أي سفينة تحاول العبور دون التنسيق مع إيران ستواجه المصير ذاته، معتبرة أن السياسات الأمريكية تهدد أمن الطاقة العالمي وتفاقم أزمات الإمدادات.
عراقجي: “العين بالعين“
وزاد وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” من حدة الرسائل الإيرانية، مؤكدًا عبر منصة “إكس” أن بلاده سترد على أي استهداف لبنيتها التحتية.
وقال “عراقجي”: “عقيدتنا الدفاعية واضحة: العين بالعين”، مضيفًا أن أي اعتداء على إيران، بما في ذلك منشآتها وبنيتها التحتية، سيقابل برد “قوي وحاسم”.
كما حذر وزير الخارجية الإيراني من أن أي جهة تقدم دعمًا لمثل هذه الهجمات ستُعتبر “هدفًا مشروعًا”، في إشارة تعكس اتساع دائرة التحذيرات الإيرانية لتشمل أطرافًا إقليمية ودولية محتملة.
Our defense doctrine is clear: eye for an eye.
Any aggression against Iran, including our infrastructure, will compel a powerful and decisive response.
Those who contribute to such aggression, whatever the kind of support, will also be considered as legitimate targets.
— Seyed Abbas Araghchi (@araghchi) July 22, 2026
أسواق الطاقة بين هرمز وباب المندب
ويرى خبراء في أسواق الطاقة أن التطورات الأخيرة أعادت تركيز الأنظار على نقطتي الاختناق الرئيسيتين في تجارة النفط العالمية، مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط الخليجية، ومضيق باب المندب الذي يشكل بوابة رئيسية لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وتشير تقارير إلى أن استمرار الهجمات البحرية وتبادل التهديدات بين واشنطن وطهران يرفع احتمالات بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا توسعت المواجهة أو تعرضت حركة الملاحة لمزيد من الاضطرابات.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو أسواق الطاقة أمام وضع معقد، حيث لم تعد أسعار النفط تتأثر فقط بعوامل العرض والطلب التقليدية، بل باتت مرتبطة بصورة متزايدة بمسار المواجهة العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط، وما قد تحمله الأيام المقبلة من تطورات على جبهتي هرمز والبحر الأحمر.
اقرأ أيضا: مضيق هرمز يرفع فاتورة الشحن العالمي.. التأمين يقفز والسفن تتراجع



