تتصاعد حدة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران على وقع عمليات عسكرية متبادلة وتصريحات سياسية متشددة تعكس اتساع نطاق الخلاف بين الجانبين بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن استمرار ضغوطها العسكرية والدبلوماسية على طهران مع الإبقاء على خيار التفاوض، ترد إيران بتكثيف تحذيراتها وعملياتها العسكرية ضد أهداف مرتبطة بالوجود الأمريكي في المنطقة، وسط تبادل الاتهامات بشأن مسؤولية التصعيد وانهيار التفاهمات السابقة.
ويأتي ذلك في ظل مخاوف متزايدة من أن يؤدي استمرار المواجهة إلى تعقيد الجهود الرامية لاحتواء الأزمة وتهديد استقرار أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية للتجارة والطاقة العالمية.
“روبيو”: إيران طلبت التفاوض والثقة مفقودة
وفي أحدث المواقف الأمريكية، قال وزير الخارجية الأمريكي “مارك روبيو“، اليوم الأربعاء، في تصريحات للصحفيين عقب قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” في العاصمة الفلبينية “مانيلا”، إن مسؤولين إيرانيين تواصلوا مع واشنطن سعياً إلى التفاوض بشأن التصعيد الحالي.
وأضاف “روبيو” أن الإدارة الأمريكية لا تزال متشككة في جدوى أي محادثات جديدة بسبب ما وصفه بعدم التزام الجانب الإيراني بتعهداته السابقة، مؤكداً أن “مذكرة التفاهم تم خرقها بعد أقل من أسبوعين من توقيعها”، الأمر الذي تسبب في تراجع مستوى الثقة بين الطرفين.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي أن بلاده لا تزال منفتحة على التوصل إلى تسوية سياسية مع إيران، مشيراً إلى أن الهدف الأمريكي يتمثل في التوصل إلى حل دبلوماسي يضمن عدم امتلاك طهران سلاحاً نووياً، مع الاستمرار في حماية حرية الملاحة الدولية وتأمين حركة التجارة البحرية.
كما اتهم “روبيو” إيران باستهداف السفن التجارية في مضيق هرمز، قائلاً إن الولايات المتحدة تعمل على تقييد قدراتها على تهديد الملاحة، مشدداً على أن واشنطن لن تقبل بسيطرة أي دولة على الممرات البحرية الدولية أو استخدامها كورقة ضغط سياسية واقتصادية.
عمليات عسكرية متواصلة في الخليج
ميدانياً، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها نفذت الليلة الحادية عشرة على التوالي من الضربات ضد أهداف داخل إيران.
وقالت القيادة المركزية، عبر حسابها الرسمي على منصة “إكس”، اليوم، إن الضربات استهدفت مراكز عمليات عسكرية وقدرات بحرية وحظائر طائرات ومنشآت لتخزين الطائرات المسيّرة وبنى لوجستية عسكرية، في إطار ما وصفته بجهود تقليص قدرة إيران على تهديد حركة الشحن في مضيق هرمز.
وأضافت أن إيران نفذت خلال الأشهر الثلاثة الماضية أكثر من 30 هجوماً ضد سفن تجارية في الممر المائي الاستراتيجي، مؤكدة أن القوات الأمريكية ساعدت منذ مطلع مايو الماضي في تأمين عبور نحو 900 سفينة تجارية ونحو 450 مليون برميل من النفط الخام عبر المضيق.
— U.S. Central Command (@CENTCOM) July 22, 2026
وبحسب تقديرات محللين، تسعى واشنطن من خلال استمرار هذه الضربات إلى فرض معادلة ردع جديدة في الخليج تقوم على حرمان إيران من استخدام أدواتها العسكرية والبحرية كورقة ضغط في ملفي الملاحة والبرنامج النووي، مع الإبقاء في الوقت ذاته على نافذة تفاوضية مفتوحة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.
إيران ترد بضربات مسيّرة وتحذيرات مباشرة
في المقابل، أعلنت طهران مواصلة عملياتها العسكرية ضد أهداف مرتبطة بالقوات الأمريكية في المنطقة.
ونقلت وكالة أنباء “فارس“، عن الجيش الإيراني إعلانه تنفيذ موجة جديدة من الهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع تخزين الذخيرة ومنشآت لوجستية تابعة للقوات الأمريكية في معسكر الدوحة غرب الكويت.
كما أعلنت العلاقات العامة للجيش الإيراني استهداف مباني الإقامة والخدمات ومستودعات المعدات في قاعدة الأزرق بالأردن، إلى جانب منشآت تخزين المعدات وحظائر صيانة الطائرات الثقيلة في قاعدة الشيخ عيسى بالبحرين باستخدام طائرات “آرش” المسيّرة.
وتعكس هذه العمليات، وفق مراقبين، سعي طهران إلى توسيع نطاق الضغط العسكري على الوجود الأمريكي في المنطقة، وإظهار قدرتها على استهداف شبكة القواعد العسكرية المنتشرة في الخليج والشرق الأوسط، بالتوازي مع استمرار الضربات الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية.
خطاب إيراني متشدد تجاه واشنطن
وعلى الصعيد السياسي، صعّدت طهران لهجتها تجاه الولايات المتحدة، حيث اعتبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “إسماعيل بقائي” أن التهديدات الأمريكية المتكررة ضد المنشآت النووية الإيرانية تمثل انتهاكاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقال “بقائي”، اليوم، في تصريحات نقلتها وكالة “تسنيم“، إن الأنشطة النووية الإيرانية تم إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بها وفق الالتزامات القائمة، معتبراً أن التركيز الأمريكي على ما يعرف بـ”جبل كلنغ” لا يعدو كونه ذريعة لتبرير عمليات عسكرية ضد إيران.
حاتمي: لا نثق بواشنطن ونسيطر على هرمز
وفي السياق ذاته، أكد القائد العام للجيش الإيراني اللواء “أمير حاتمي” أن بلاده لا تثق بالولايات المتحدة “حتى بمقدار رأس إبرة”، معتبراً أن واشنطن لم تلتزم بالتفاهمات السابقة.
ووفق ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا“، قال “حاتمي” إن إيران تواصل تعزيز قدراتها القتالية تحسباً لأي تطورات ميدانية، مضيفاً أن بلاده “تسيطر على مضيق هرمز” وأن القوات الإيرانية تواصل مواجهة القوات الأمريكية في المنطقة.
كما اتهم الولايات المتحدة بالسعي إلى إضعاف إيران وتقويض استقرارها، مشدداً على أن بلاده تمكنت من إحباط تلك الأهداف رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية.
تحذير إيراني من استهداف المنشآت النووية
وفي مؤشر إضافي على ارتفاع مستوى التوتر بين طهران وواشنطن، حذرت قيادة مقر خاتم الأنبياء المركزي الولايات المتحدة من تنفيذ أي هجمات ضد المنشآت النووية أو المواقع الحساسة داخل إيران.
وقالت قيادة مقر خاتم الأنبياء ، بحسب وكالة “إرنا“، إن أي استهداف أمريكي لهذه المنشآت سيُعد توسيعاً للحرب في المنطقة، مؤكدة أن جميع المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن وداعميها سيصبحون أهدافاً للقوات المسلحة الإيرانية في حال وقوع مثل هذا الهجوم.
مواجهة مفتوحة ومسار تفاوضي متعثر
وتشير التطورات المتسارعة إلى أن الطرفين يتمسكان في الوقت الراهن باستراتيجية “الضغط المتبادل”، حيث تواصل الولايات المتحدة استهداف البنية العسكرية الإيرانية المرتبطة بملف الملاحة البحرية، بينما ترد طهران بتوسيع نطاق عملياتها ضد ما تصفه بـ”القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة”.
ورغم استمرار الحديث الأمريكي عن إمكانية التوصل إلى تسوية دبلوماسية، فإن تبادل الضربات العسكرية وتصاعد الخطاب السياسي بين الجانبين يعكسان عمق أزمة الثقة التي باتت تحكم العلاقة بين واشنطن وطهران، ما يجعل فرص العودة السريعة إلى طاولة المفاوضات أكثر تعقيداً في ظل التطورات العسكرية الحالية.
اقرأ أيضا: مضيق هرمز يرفع فاتورة الشحن العالمي.. التأمين يقفز والسفن تتراجع







