في وقت تتشابك فيه تداعيات الحروب مع اضطرابات أسواق الطاقة وتغيرات الاقتصاد العالمي، تجد الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026-2027 نفسها أمام اختبار جديد، تفرضه عودة الحرب الإيرانية وما قد يصاحبها من ارتفاع في أسعار النفط، وزيادة تكلفة الاستيراد، وضغوط على إيرادات النقد الأجنبي، بالتزامن مع ارتفاع أعباء خدمة الدين.
وتأتي هذه التحديات في وقت تستهدف فيه الحكومة خفض معدلات العجز والدين العام وتقليص أعباء التمويل، ما يضع السياسة المالية أمام معادلة دقيقة تتطلب الحفاظ على مستهدفات الإصلاح الاقتصادي، وفي الوقت نفسه التعامل بمرونة مع أي صدمات خارجية قد تفرض إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.
الدكتور مصطفى رضوان، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة، أكد في تصريحات لـ”البورصجية”، أن الاقتصاد المصري يرتبط بصورة مباشرة بالتطورات الاقتصادية العالمية، مشيرًا إلى أن استمرار الحرب الإيرانية أو اتساع نطاقها قد يفرض ضغوطًا إضافية على الموازنة، سواء من جانب الإيرادات أو المصروفات، وهو ما يستدعي إدارة مالية أكثر مرونة وسرعة في التعامل مع المتغيرات.
وأوضح، أن هناك 4 ملفات رئيسية داخل الموازنة تعد الأكثر تأثرًا بتداعيات الأزمة، وهي فاتورة استيراد الطاقة، وتكلفة خدمة الدين العام، ومخصصات الدعم والحماية الاجتماعية، إلى جانب الإيرادات المرتبطة بالنقد الأجنبي، وعلى رأسها عائدات قناة السويس وقطاع السياحة.
وأشار إلى أن تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط يثير مخاوف بشأن إمدادات النفط العالمية؛ ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع، وينعكس على تكلفة استيراد الطاقة في مصر، فضلًا عن زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، بما قد يؤدي تدريجيًا إلى ارتفاع أسعار عدد من السلع والخدمات.
ولفت رضوان إلى أن اجتماع ارتفاع أسعار الطاقة مع تراجع بعض مصادر النقد الأجنبي قد يؤدي إلى زيادة مؤقتة في عجز الموازنة، موضحًا أن حجم التأثير سيظل مرتبطًا بمدة الأزمة ومدى قدرتها على التأثير في أسعار النفط ومعدلات النمو العالمية، إلى جانب قدرة الحكومة على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.
وأضاف، أن استمرار الأزمة لفترة طويلة وإحداثها تغيرات كبيرة في أسعار النفط أو معدلات النمو قد يدفع إلى إعادة النظر في بعض الافتراضات التي بُنيت عليها الموازنة، مؤكدًا أن مراجعة التقديرات خلال الأزمات الاستثنائية تعد إجراءً اقتصاديًا طبيعيًا تتبعه العديد من الدول.
ويرى أستاذ الاقتصاد والمالية العامة، أن الدولة تمتلك عددًا من الأدوات للتعامل مع التداعيات المحتملة، من بينها ترشيد الإنفاق غير الضروري، وزيادة دعم الإنتاج المحلي للحد من الاعتماد على الواردات، وتعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، وتنويع مصادر النقد الأجنبي، إلى جانب مواصلة برامج الإصلاح الاقتصادي.
وأكد أن التجارب السابقة، وفي مقدمتها تداعيات جائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية، ساهمت في تعزيز خبرة المؤسسات المصرية في التعامل مع الصدمات الخارجية وامتصاص تداعياتها، وهو ما يمنح الاقتصاد قدرًا أكبر من القدرة على مواجهة الأزمات المتتالية.
وحذر رضوان من السيناريو الأكثر صعوبة، والمتمثل في استمرار الحرب لفترة طويلة بالتزامن مع ارتفاع حاد في أسعار النفط، وتراجع حركة التجارة العالمية، وانخفاض إيرادات قناة السويس والسياحة في الوقت نفسه، مشيرًا في المقابل إلى أن الأزمات قد تفتح فرصًا جديدة أمام الاقتصاد المصري، من خلال استغلال الموقع الجغرافي، وتسريع توطين الصناعة، وزيادة الصادرات، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
بلغت قيمة الموازنة العامة نحو 8.186 تريليون جنيه، بإجمالي مصروفات 5.188 تريليون جنيه وإيرادات 4.056 تريليون جنيه، فيما قُدرت متحصلات الإقراض ومبيعات الأصول بنحو 4.176 تريليون جنيه، والاقتراض بنحو 4.011 تريليون جنيه لسد الفجوة التمويلية.
ويبلغ سقف صافي دين الحكومة العامة نحو 21.930 تريليون جنيه، بما يعادل 89.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تستهدف الحكومة خفض العجز الكلي إلى 6.6% خلال العام المالي 2026/2027، مقابل 7% في العام المالي السابق، إلى جانب خفض أعباء فوائد الدين إلى 11.3% من الناتج المحلي.
وتشكل أسعار النفط تحديًا رئيسيًا أمام مستهدفات الموازنة، بعدما تجاوز سعر خام برنت 88 دولارًا للبرميل، بارتفاع 20% عن السعر المفترض في الموازنة عند 75 دولارًا.







