في خطوة تعكس تنامي الحراك المصري تجاه الأزمة الليبية، استقبل الرئيس “عبد الفتاح السيسي” رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية “عبد الحميد الدبيبة”، اليوم الخميس، في مدينة العلمين، في لقاء حمل أبعاداً سياسية واقتصادية تتجاوز العلاقات الثنائية، ليؤكد مجدداً سعي القاهرة إلى ترسيخ دورها كأحد أبرز الفاعلين الإقليميين في جهود استقرار ليبيا ودعم مسار التسوية السياسية فيها.
وتأتي الزيارة في وقت تشهد فيه الساحة الليبية حراكاً سياسياً وأمنياً متسارعاً، وسط محاولات إقليمية ودولية لإعادة تنشيط العملية السياسية والدفع نحو توحيد المؤسسات الليبية، وهو ما يمنح اللقاء أهمية إضافية باعتباره مؤشراً على توسع الاتصالات المصرية مع مختلف الأطراف الليبية، في إطار مقاربة تقوم على الحفاظ على قنوات التواصل مع جميع الفاعلين في ليبيا.
لقاء العلمين.. تأكيد على الشراكة والاستقرار
وبحسب بيان الرئاسة المصرية، استقبل الرئيس “السيسي”، بحضور رئيس الوزراء “مصطفى مدبولي” ووزير الخارجية “بدر عبد العاطي” ورئيس المخابرات العامة اللواء “حسن رشاد”، رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية “عبد الحميد الدبيبة”، يرافقه مستشار الأمن القومي “إبراهيم الدبيبة” ووزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية “وليد اللافي”.
وأكد الرئيس “السيسي” خلال اللقاء متانة العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع مصر وليبيا، مشدداً على أهمية تكثيف العمل المشترك لتعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات بما يخدم مصالح الشعبين.
كما جدد الرئيس “السيسي” تأكيد موقف مصر الداعم لاستقرار ليبيا ووحدة أراضيها وسلامة مؤسساتها، مشيراً إلى حرص القاهرة المستمر على دعم جهود السلم والاستقرار في الدولة المجاورة، إلى جانب توسيع مجالات التعاون الاقتصادي، خصوصاً في قطاعات الكهرباء والطاقة والبنية التحتية وإعادة الإعمار والاستثمار والتجارة.
من جانبه، أعرب “الدبيبة” عن تقديره للدور المصري في دعم استقرار ليبيا، مؤكداً أهمية مواصلة تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في مختلف الملفات ذات الأولوية، بما يحقق التنمية والازدهار للبلدين.
كما تناول اللقاء تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، حيث اتفق الجانبان على تكثيف التنسيق والتشاور المشترك بشأن القضايا ذات الاهتمام المتبادل ودعم الحلول السياسية للنزاعات الإقليمية.
تعاون اقتصادي وإعادة إعمار
وعلى هامش الزيارة، عقد “الدبيبة” اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الوزراء المصري “مصطفى مدبولي” في مقر مجلس الوزراء بمدينة العلمين الجديدة، لبحث آفاق التعاون الاقتصادي بين البلدين.
ووفقاً لبيان حكومة الوحدة الوطنية، ناقش الجانبان التحضيرات الخاصة بانعقاد الدورة المقبلة للجنة العليا الليبية المصرية المشتركة، والعمل على تحديث الاتفاقيات الثنائية وإعداد مذكرات تفاهم جديدة وإنشاء آلية مؤسسية لمتابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
كما تركزت المباحثات على مشروعات البنية التحتية وإعادة الإعمار وزيادة مساهمة الشركات المصرية في المشروعات التنموية داخل ليبيا، إضافة إلى توسيع التعاون في مجالات النفط والغاز والطاقة.
وشملت المناقشات مشروع الربط الغازي بين البلدين، وتعزيز التعاون بين المؤسسة الوطنية للنفط والجهات المصرية المختصة في مجالات التكرير والاستكشاف والإنتاج، فضلاً عن بحث فرص التكامل بين البنى التحتية للطاقة بما يعزز أمن الطاقة ويخدم المصالح المشتركة.
وتطرق الاجتماع كذلك إلى تنظيم منتدى اقتصادي ليبي مصري بمشاركة الحكومتين والقطاع الخاص بهدف إطلاق شراكات جديدة ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية القائمة.
مصر تدعم مساعي التقارب بين الأطراف الليبية
ويرى مراقبون أن زيارة “الدبيبة” تعكس توجهاً مصرياً متزايداً نحو توسيع نطاق التواصل مع المؤسسات السياسية والأمنية في غرب ليبيا، بالتوازي مع استمرار العلاقات الوثيقة التي تربط القاهرة بالقيادة العامة للجيش الوطني الليبي ومؤسسات شرق البلاد.
وتشير تقديرات محللين، إلى أن القاهرة تنظر إلى استقرار ليبيا باعتباره جزءاً من أمنها القومي المباشر، خاصة في ظل الروابط الحدودية والاقتصادية والأمنية بين البلدين، وهو ما يفسر تكثيف التحركات السياسية والاستخباراتية المصرية خلال الأشهر الأخيرة.
دور متصاعد للمخابرات المصرية
“وبرز خلال الفترة الماضية الدور المصري كأحد أبرز المسارات الإقليمية الداعمة للاستقرار في ليبيا، من خلال تحركات سياسية وأمنية قادها رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء “حسن رشاد”، عكست حرص القاهرة على تعزيز الحوار بين الأطراف الليبية، ودعم جهود توحيد المؤسسات الوطنية، والحفاظ على وحدة الدولة الليبية، إلى جانب تكثيف التنسيق مع مختلف القوى الفاعلة إقليمياً ودولياً لدفع مسار التسوية السياسية.
ففي منتصف يوليو الجاري، استضافت مصر لقاءً بين “رشاد” ووكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية “عبد السلام الزوبي”، تناول ملفات التنسيق الأمني والتطورات السياسية والمبادرات المطروحة بشأن الأزمة الليبية.
وقبل ذلك، أجرى رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية زيارة إلى طرابلس في يونيو الماضي التقى خلالها رئيس حكومة الوحدة الوطنية “عبد الحميد الدبيبة”، حيث ناقش الطرفان مستجدات المشهد السياسي الليبي وسبل دعم الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة البلاد وتعزيز جهود توحيد المؤسسات الوطنية.
وفي المقابل، واصل “رشاد” اتصالاته مع الأطراف المؤثرة في شرق ليبيا، حيث التقى في القاهرة نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية الفريق “صدام حفتر”، كما عقد مباحثات مع “مسعد بولس”، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” للشؤون العربية والأفريقية، في إطار متابعة التطورات السياسية والأمنية المتعلقة بالملف الليبي.
سجل مصري طويل في جهود التسوية
وتندرج هذه التحركات ضمن مسار أوسع تتبناه القاهرة منذ سنوات لدعم العملية السياسية الليبية، إذ استضافت جولات حوار بين الفرقاء الليبيين بشأن القاعدة الدستورية، كما احتضنت اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة “5+5″، إضافة إلى لقاءات جمعت قيادات المؤسسات التشريعية والسياسية الليبية بهدف تقريب وجهات النظر ودفع مسار التسوية.
كما واصلت مصر دعمها للمؤسسة العسكرية الليبية، وهو ما تجسد مؤخراً في استقبال وزير الدفاع المصري الفريق “أشرف زاهر” القائد العام للقوات المسلحة الليبية الفريق “صدام حفتر”، ورئيس الأركان العامة للجيش الليبي الفريق “خالد حفتر”، خلال مراسم تخريج دفعة من الضباط الليبيين في القاهرة، في رسالة تؤكد استمرار التعاون العسكري والأمني بين الجانبين.
بين الوساطة والاستثمار في الاستقرار
وفي المحصلة، تعكس زيارة “الدبيبة” إلى مصر حرص القاهرة على الجمع بين المسارين السياسي والاقتصادي في مقاربتها للملف الليبي، إذ تعمل على دعم جهود التسوية وتوحيد المؤسسات من جهة، وتعزيز مشاريع التعاون والتنمية وإعادة الإعمار من جهة أخرى.
ويعتقد مراقبون أن استمرار مصر في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف الليبية يمنحها هامشاً أوسع للمساهمة في أي ترتيبات سياسية مستقبلية، في وقت تبقى فيه ليبيا بحاجة إلى توافقات داخلية وإقليمية تُمهد الطريق نحو استقرار مستدام وإنهاء سنوات الانقسام والصراع.
اقرأ أيضا: مصر تشدد على أمن الأردن.. وتحذر من تداعيات الهجمات الإيرانية على المنطقة







