شهدت أسواق النفط العالمية تراجعا حادا في الأسعار لتسجل مستويات قريبة جدا مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، وهو الهبوط الذي جاء مدفوعا بـ “هدنة هشة” وتفاهمات أولية بين الولايات المتحدة وإيران، بجانب التحركات الدبلوماسية المستمرة لإنهاء الصراع بشكل دائم.
ورغم هذه الأجواء الإيجابية، أطلق خبراء أسواق الطاقة جرس إنذار، مؤكدين أن تراجع الأسعار يعكس تفاؤلا مفرطا من قبل الأسواق التي يبدو أنها تستهين بحجم التحديات والأزمات المستمرة في سلاسل الإمداد وعمليات العرض.
مضيق هرمز.. عودة الملاحة مؤجلة
يرى المحللون أنه من المستبعد عودة حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها السابقة بسرعة، حتى مع انتعاش النشاط بعد اتفاق وقف إطلاق النار، والسبب في ذلك يعود إلى رغبة طهران المستمرة في فرض نفوذها على هذا الممر المائي الحرج الذي يمر منه جزء ضخم من إمدادات الطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، أشار نيكوس بيتراكاكوس، المدير الإداري للاستثمارات في شركة “تافتون لإدارة الاستثمار”، إلى أن شركات الشحن البحري ما زالت تتعامل بحذر شديد وتتخوف من إعادة توجيه سفنها عبر المضيق نتيجة غياب إطار عمل واضح ومضمون للسلام، فضلا عن المخاوف المستمرة من وجود تهديدات أمنية تحت الماء، والارتفاع الجنوني في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب.
وأضاف بيتراكاكوس قائلا: “رغم وجود بعض التحسن الطفيف في حركة المرور، إلا أننا ما زلنا بعيدين تماما عن العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة”.
وخلال تعاملات نهاية الأسبوع، جرى تداول العقود الآجلة لخام برنت القياسي عند مستوى 72.45 دولارا للبرميل، وهو تراجع ضخم إذا ما قورن بأعلى مستوى سجلته الأسعار إبان ذروة الحرب عندما قفز البرميل فوق حاجز الـ 188 دولارا أواخر أبريل الماضي.
ومن جانبها، أوضحت أمريتا سين، المؤسسة ومديرة الأبحاث في شركة “إنيرجي أسبكتس”، أن الأسواق تقلل من حجم الأزمة الحالية، مؤكدة أن المشكلة الحقيقية الآن ليست في خروج السفن العالقة، بل في إقناع الخطوط الملاحية بالعودة مجددا.
وأضافت أن تكاليف الشحن الحالية مرتفعة للغاية، وهناك شح في عدد الشركات المستعدة للمخاطرة ودخول المنطقة في الوقت الراهن.
هل تحاول إيران فرض “رسوم عبور”؟
استبعد المحللون فرض نظام رسمي لرسوم العبير في مضيق هرمز، لكنهم حذروا من محاولات طهران المستمرة للسيطرة على حركة الملاحة.
ويرى بيتراكاكوس أن أي تنسيق حالي مع إيران يتم بشكل غير رسمي أو “تحت الطاولة”، لأن الشركات تخشى الوقوع في فخ العقوبات الأمريكية والغربية، واصفا التعامل المباشر مع طهران بأنه “منزلق خطير”.
ولفت إلى أن بعض مشغلي السفن يلجأون الآن إلى أساليب غامضة مثل إغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال لإخفاء مواقع سفنهم، مضيفا: “قبل هذه الحرب، لم يكن لإيران كلمة مسموعة أو سلطة حقيقية على ما يمر عبر مضيق هرمز، لكن الوضع القائم تغير مستقبليا”.
وشدد على أن إيران ستسعى لفرض نوع من التنسيق، ومحاولة التظاهر بأن المضيق يشبه الممرات المائية العالمية مثل قناة السويس أو قناة بنما لفرض سيطرتها، وهو ما لن تقبله الدول الغربية أو دول مجلس التعاون الخليجي.
وفيما يخص قطاع التأمين، أكد الخبراء أن شركات التأمين لن تخفض أقساطها أو تشعر بالاطمئنان إلا بعد مرور أشهر من الاستقرار الفعلي على أرض الواقع، خاصة مع استمرار التوترات وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر.
أين يتجه برميل النفط؟
في المقابل، يرى ألدو سبانجر، رئيس استراتيجية السلع في وحدة “بي إن بي باريبا ماركتس 360″، جانبا أكثر استقرارا، حيث توقع أن تتخلى إيران في النهاية عن فكرة السيطرة الرسمية أو نظام الرسوم إذا تم تعويض إيراداتها بطرق أخرى.
وفيما يخص توقعات “بي إن بي باريبا” لأسواق النفط، يرى سبانجر أن السعر المستهدف يظل عند 80 دولارا للبرميل حتى نهاية العام الحالي، حيث ستستوعب الأسواق الإمدادات الإضافية مع رغبة المشترين في إعادة بناء مخزوناتهم، بينما من المتوقع على المدى المتوسط أن تتحرك الأسعار في نطاق محدد ومستقر يتراوح بين 75 و85 دولارا للبرميل.
واختتم سبانجر تحليله بالإشارة إلى أن فرص صعود النفط فوق الـ 85 دولارا تبدو ضعيفة، لأنه لا توجد جهة ستخاطر ببناء مخزونات بأسعار أعلى من ذلك، وفي نفس الوقت لن يهبط تحت الـ 75 دولارا بسبب وجود عمليات شراء انتهازية مستمرة في السوق.





