اكتشافات جديدة وخطط حكومية متكاملة.. «أمن الطاقة» فى أمان «اكتفاء الغاز»

اكتشافات جديدة وخطط حكومية متكاملة.. «أمن الطاقة» فى أمان «اكتفاء الغاز»
مشاركة المقال:
حجم الخط:

في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بأمن الطاقة عالميًا، تتجه مصر بخطى متسارعة نحو استعادة توازن سوق الغاز المحلي، مدعومة بسلسلة من الاكتشافات الجديدة وخطط حكومية متكاملة، وهو ما أكده رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، الذي بعث برسالة طمأنة واضحة للمواطنين، مؤكدًا أن الدولة “تمضي بخطى واثقة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز” خلال الفترة المقبلة.

وخلال حواره التلفزيوني من على منصة الحفر “قاهر-2”، أوضح مدبولي أن الحكومة تتبنى استراتيجية تقوم على التوسع في المشروعات القومية لزيادة الإنتاج المحلي بدلاً من الاعتماد على الاستيراد، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك بالفعل البنية التحتية والتجهيزات اللازمة لتحقيق هذا الهدف. كما أعرب عن تفاؤله بقرب الإعلان عن “أخبار إيجابية” في قطاع الطاقة، مؤكدًا أن الكوادر البشرية المصرية تمثل ركيزة أساسية في هذا المسار.

وتأتي هذه التصريحات في سياق طفرة غير مسبوقة شهدها قطاع البترول والغاز منذ عام 2014، حيث تم تنفيذ نحو 45 مشروعًا لتنمية الحقول المكتشفة، منها 29 مشروعًا للغاز الطبيعي و16 مشروعًا للزيت الخام، بإجمالي استثمارات تقدر بنحو 34.4 مليار دولار. وقد شملت هذه المشروعات تطوير عدد من أبرز الحقول، على رأسها “ظهر” و”نورس” و”أتول” بشمال دمياط، إلى جانب مشروعات شمال الإسكندرية وغرب دلتا النيل.

ويبرز الكشف الجديد بمنطقة “دينيس” البحرية في البحر المتوسط كأحد أبرز التطورات الحديثة، حيث تشير التقديرات إلى احتياطيات تصل إلى نحو 2 تريليون قدم مكعب من الغاز، بالإضافة إلى 130 مليون برميل من المتكثفات البترولية.

بالتوازي، أعلنت وزارة البترول عن كشف آخر في منطقة دلتا النيل من خلال البئر “Nidoco N-2”، والذي يُتوقع أن يحقق معدلات إنتاج أولية تصل إلى 50 مليون قدم مكعب يوميًا، في خطوة تعزز الإمدادات المحلية وتدعم جهود تقليل الاعتماد على الاستيراد.

وتستهدف مصر رفع إنتاج الغاز الطبيعي إلى نحو 6.6 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول عام 2027، مقارنة بمستوى إنتاج حالي يبلغ نحو 4.2 مليار قدم مكعب يوميًا، بزيادة تصل إلى 57%.

كما تخطط وزارة البترول لحفر 101 بئر جديدة خلال عام 2026، إضافة إلى نحو 480 بئرًا استكشافية باستثمارات تتجاوز 5.7 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، في إطار خطة شاملة لتعزيز الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

وفي موازاة ذلك، تعمل الحكومة على عدة محاور لاستعادة إنتاجية الغاز، تشمل الاعتماد المؤقت على سفن التغويز لتلبية احتياجات السوق، بالتوازي مع سداد مستحقات الشركات الأجنبية، وتحفيزها على زيادة الإنتاج، إلى جانب إدخال خطوط إنتاج جديدة بالتعاون مع شركتي “شل” و”إيني”، وإعادة ضخ إنتاج إضافي من حقل “ظهر”.

ويرى خبراء أن هذه التحركات تعكس تحولًا نوعيًا في إدارة ملف الطاقة. وقال سامح نعمان، الخبير في مجال الطاقة، إن الاكتشافات الأخيرة، وعلى رأسها الكشف الذي يُقدر بنحو 2 تريليون قدم مكعب، تمثل “نقطة تحول كبيرة في مسار أمن الطاقة في مصر”، مشيرًا إلى أن هذه الاكتشافات ساهمت في تخفيف تداعيات الأزمة العالمية للطاقة.

وأوضح نعمان أن الاستهلاك المحلي من الغاز يبلغ نحو 180 مليون متر مكعب يوميًا، مقابل إنتاج يصل إلى 110 ملايين متر مكعب، ما يعني وجود فجوة تُقدر بنحو 70 مليون متر مكعب يوميًا، مؤكدًا أن دخول الاكتشافات الجديدة حيز الإنتاج بدءًا من عام 2027 سيسهم في تقليص هذه الفجوة تدريجيًا. وأضاف أن الكشف الجديد وحده قد يوفر نحو 7 ملايين متر مكعب يوميًا، في حين يمكن لإجراءات ترشيد الاستهلاك أن توفر نحو 10 ملايين متر مكعب يوميًا.

وأشار إلى أن الاتفاق مع قبرص لاستيراد الغاز لمدة لا تقل عن 15 عامًا يمثل دعمًا إضافيًا، مع إمكانية إعادة تصدير الفائض بعد الإسالة، لافتًا إلى وجود نحو 14 حقل غاز جاهزة للاكتشاف خلال العامين المقبلين باحتياطيات قد تصل إلى 12 تريليون قدم مكعب.

وأكد الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة الطاقة والبترول، أن الاكتشاف الجديد في دلتا النيل يمثل “خطوة استراتيجية مهمة” لدعم قطاع الطاقة، مشيرًا إلى أن تسوية مستحقات الشركاء الأجانب لعبت دورًا محوريًا في تحفيز الشركات العالمية على زيادة استثماراتها، حيث تراجعت هذه المستحقات من أكثر من 6 مليارات دولار إلى نحو 740 مليون دولار.

وأشاد الدكتور السعيد غنيم، وكيل لجنة الصناعة بمجلس الشيوخ، بالكشف الجديد، معتبرًا أنه يعكس نجاح الدولة في تكثيف أنشطة البحث والاستكشاف بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية، مؤكدًا أن قرب البئر من البنية التحتية القائمة يسهم في سرعة بدء الإنتاج وتعظيم الاستفادة من المواردK وشدد غنيم على أهمية أن تنعكس هذه التطورات على حياة المواطنين من خلال استقرار إمدادات الطاقة وخفض الأعباء الاقتصادية، داعيًا إلى مواصلة توسيع أنشطة الاستكشاف وتعظيم الاستفادة من الحقول القائمة، بما يدعم خطط التنمية الصناعية ويعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة.