تمضي الحرب الروسية الأوكرانية وسط تصاعد العمليات العسكرية وتكثيف الجهود الدبلوماسية، فيما برزت الاتصالات الأخيرة التي جرت بين الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” والرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” بوصفها مؤشرًا على مساعٍ جديدة لدفع مسار التسوية السياسية، رغم استمرار المعارك والهجمات المتبادلة على مختلف الجبهات.
وتأتي هذه التحركات السياسية في ظل تصاعد الضربات الجوية الروسية على المدن الأوكرانية، مقابل مواصلة أوكرانيا استهداف مواقع وبنى تحتية داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية، ما يعكس استمرار الفجوة بين مسارات التفاوض والواقع الميداني.
كييف: الضربات الروسية تتكثف والدفاعات الجوية بحاجة إلى دعم إضافي
تشير المعطيات التي عرضتها القيادة الأوكرانية إلى أن موسكو تواصل الاعتماد بشكل متزايد على القوة الجوية والصاروخية في إدارة العمليات العسكرية، وهو ما تراه كييف محاولة للحفاظ على الضغط العسكري بالتوازي مع التحركات السياسية الجارية.
ومن جانبه قال الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي“، اليوم الأحد، عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”، إن روسيا استخدمت خلال الأسبوع الماضي نحو 2200 طائرة مسيّرة هجومية وأكثر من 1730 قنبلة جوية موجهة و106 صواريخ من أنواع مختلفة، كان نحو نصفها من الصواريخ الباليستية.
وأوضح أن مناطق سومي وزابوريجيا وخيرسون وخاركيف ودنيبرو، إضافة إلى المناطق الحدودية وخطوط التماس، تتعرض للقصف بصورة شبه يومية، مشيرًا إلى أن الهجوم واسع النطاق الذي استهدف العاصمة كييف مؤخرًا أسفر عن مقتل 31 شخصًا وإصابة 102 آخرين بينهم 4 أطفال.
ورغم تأكيده قدرة الدفاعات الجوية الأوكرانية على إسقاط أكثر من 90 بالمئة من الطائرات المسيّرة الروسية، أقر “زيلينسكي” بأن الصواريخ الباليستية لا تزال تمثل تحديًا رئيسيًا، معتبرًا أن موسكو تعتمد عليها بصورة متزايدة لمواصلة عملياتها العسكرية.
وفي هذا السياق، دعا الرئيس الأوكراني الشركاء الغربيين إلى تسريع الاستجابة لطلبات بلاده المتعلقة بمنظومات الدفاع الجوي وصواريخ الاعتراض، مؤكدًا أن كييف تعمل مع شركائها الأوروبيين لتعزيز قدراتها المضادة للصواريخ الباليستية.
زيلينسكي يعوّل على دور أمريكي في إنهاء الحرب
وتكشف تصريحات “زيلينسكي” الأخيرة عن استمرار الرهان الأوكراني على الدور الأمريكي بوصفه العامل الأكثر تأثيرًا في أي تسوية محتملة، خصوصًا مع دخول إدارة “ترامب” على خط الوساطة بشكل أكثر وضوحًا خلال الأسابيع الأخيرة.
وأشار الرئيس الأوكراني إلى أنه ناقش مع “ترامب” خلال اتصال هاتفي تطورات الوضع على خطوط المواجهة والجهود الدبلوماسية الجارية، معتبرًا أن هناك “فرصة حقيقية” لإنهاء الحرب.
وقال “زيلينسكي” إن إصرار الولايات المتحدة سيكون عاملًا حاسمًا في هذا المسار، معلنًا الاتفاق على مواصلة المناقشات خلال قمة حلف الناتو المرتقبة في أنقرة.
كما حرص الرئيس الأوكراني، في رسالة تهنئة وجهها إلى “ترامب” بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، على الإشادة بالمساعدات الأمريكية المقدمة لبلاده، مشيرًا إلى أنها شملت منظومات “باتريوت” وصواريخ “جافلين” إضافة إلى الدعم السياسي الذي وفرته واشنطن لكييف طوال سنوات الحرب.
موسكو: اتصال بوتين وترامب كان عمليًا وبنّاءً
في المقابل، تعكس الرواية الروسية رغبة في إظهار وجود مساحة مشتركة للحوار مع واشنطن، بالتوازي مع التشديد على استمرار العمليات العسكرية وتحقيق تقدم ميداني.
وصرّح مساعد الرئيس الروسي، “يوري أوشاكوف”، وفق ما أورده الكرملين، إن الاتصال الأخير الذي جرى بين “بوتين” و”ترامب”، وهو الرابع بينهما خلال العام الجاري، استمر 85 دقيقة واتسم بالطابع العملي والبنّاء.
وأوضح أن الجانبين ناقشا مجموعة واسعة من الملفات الثنائية والدولية، وفي مقدمتها الأزمة الأوكرانية، في ضوء مشاركة “ترامب” المرتقبة في قمة الناتو بتركيا يومي 7 و8 يوليو.
وبحسب “أوشاكوف”، أكد “ترامب” استعداده للمساعدة في التوصل إلى وقف مبكر للأعمال القتالية والبحث عن حلول سياسية للأزمة، فيما سيواصل مبعوثاه “ستيف ويتكوف” و”جاريد كوشنر” جهود الوساطة مع استعدادهم لزيارة موسكو عند الحاجة.
وأضاف أن “بوتين” جدد تمسك بلاده بالتسوية السياسية والدبلوماسية، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أخذ المواقف الروسية الأساسية بعين الاعتبار ضمن أي صيغة للحل.
تضارب الروايات بشأن سير المعارك
وتبرز من خلال التصريحات المتبادلة فجوة واضحة بين الرؤيتين الروسية والأوكرانية لمسار الحرب، إذ تؤكد كييف أن موسكو تواصل تكثيف ضرباتها الجوية ضد المدن والبنية التحتية، بينما تتحدث روسيا عن تقدم ميداني متواصل وتراجع في الموقف الأوكراني.
ونقل “أوشاكوف” عن “بوتين” قوله إن كييف والدول الأوروبية الداعمة لها تراهن على إطالة أمد النزاع وتصعيده، معتبرًا أن ما وصفه بـ”حزب الحرب الأوروبي” ينطلق من تقديرات غير دقيقة للوضع العسكري على الأرض.
كما أكد مساعد الرئيس الروسي أن “بوتين” عرض خلال الاتصال مع “ترامب” ما وصفه بـ”الواقع الفعلي” في ساحة المعركة، مشيرًا إلى استمرار تقدم القوات الروسية وسيطرتها على مواقع جديدة.
عمليات عسكرية متواصلة وهجمات متبادلة
وعلى الصعيد الميداني، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت ودمرت خلال الليلة الماضية 71 طائرة أوكرانية مسيّرة فوق مقاطعات بيلغورود وبريانسك وروستوف وشبه جزيرة القرم وفوق البحر الأسود.
كما أعلنت الوزارة تنفيذ ضربات بواسطة طائرات مسيّرة من طراز “جيران-2 سيكر” استهدفت قطارًا قالت إنه كان ينقل شحنات لصالح الجيش الأوكراني قرب بلدة أوليشنيا في مقاطعة تشيرنيجوف.
وأشارت كذلك إلى استهداف محطة لتوزيع الغاز في بلدة جازوبروفودنويه بالمقاطعة نفسها، مؤكدة تدميرها بضربة عالية.
مبادرة روسية لوقف إطلاق نار مؤقت
وفي موازاة استمرار القتال، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، وفق ما نقلته وكالة “تاس“، اقتراح وقف لإطلاق النار في مدينة كونستانتينوفكا يوم 6 يوليو.
وقالت الوزارة إن الهدف من المبادرة يتمثل في تسليم جثامين العسكريين الأوكرانيين الذين قتلوا في المعارك، موضحة أن المقترح يشمل وقف القصف خلال ساعات محددة من اليوم ذاته، وداعية الجانب الأوكراني إلى إبلاغ موسكو بقراره عبر قنوات الاتصال القائمة بين أجهزة الاستخبارات.
بين التصعيد والوساطة
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية تدخل مرحلة تجمع بين تكثيف الضغوط العسكرية ومحاولات تحريك المسار السياسي في الوقت نفسه، حيث تؤكد كييف حاجتها إلى مزيد من الدعم العسكري ومنظومات الدفاع الجوي لمواجهة الهجمات الروسية المتواصلة، في حين تشدد موسكو على ما تصفه بتقدم قواتها على الأرض، مع تمسكها بمسار التفاوض وفق رؤيتها وشروطها المعلنة.
وتبدو اتصالات “ترامب” مع الطرفين محاولة لاختبار فرص التوصل إلى أرضية مشتركة لوقف الحرب، غير أن التباعد الكبير في المواقف بشأن الواقع على الأرض، وشروط التسوية لا يزال يشكل العقبة الرئيسية أمام أي تقدم سياسي قريب.
اقرأ أيضا: روسيا توسع هجماتها على كييف وزيلينسكي يطالب بمنظومات باتريوت




