برؤية مختلفة ومجربة.. كيف تفكر مصر لإنهاء كابوس الديون؟

برؤية مختلفة ومجربة.. كيف تفكر مصر  لإنهاء كابوس الديون؟

مبادلة الديون

مشاركة المقال:
حجم الخط:

في وقت تتزايد فيه الضغوط التي تواجه الاقتصادات النامية بسبب ارتفاع تكلفة التمويل وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي، بدأت مصر في الدفع باتجاه مقاربة مختلفة لإدارة ملف الديون، لا تقتصر على إعادة الجدولة أو البحث عن قروض جديدة، وإنما تقوم على تحويل جزء من الالتزامات المالية إلى استثمارات إنتاجية تدعم النمو الاقتصادي وتحد من الضغوط الواقعة على الموازنات العامة.

هذا التوجه لم يعد مجرد أداة تستخدمها مصر في بعض الاتفاقيات الثنائية، بل تحول إلى رؤية تسعى الدولة إلى تعميمها على المستوى الدولي. ففي تصريحات حديثة، دعا وزير الاستثمار والتجارة الخارجية حسن الخطيب إلى إنشاء نظام عالمي يسمح بتحويل ديون الدول الأقل نمواً إلى استثمارات، معتبراً أن هذه الآلية قد تشكل أحد الحلول العملية لمعالجة التراجع المستمر في تدفقات الاستثمار إلى تلك الدول، ومساعدتها على تمويل التنمية ومواجهة الفقر، بدلاً من استنزاف مواردها المحدودة في خدمة الديون.

وأوضح الوزير، في مقابلة على هامش إطلاق تقرير الاستثمار العالمي لعام 2025، أن التقرير كشف عن تراجع واضح في الاستثمارات المتجهة إلى الدول الأقل نمواً، وهو ما يستدعي البحث عن أدوات تمويل أكثر عدالة، خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض وضعف قدرة تلك الاقتصادات على جذب رؤوس الأموال الأجنبية.

وتعكس هذه الدعوة، بحسب متابعين، تحولاً في النظرة المصرية إلى ملف الدين، من اعتباره عبئاً مالياً يتعين إدارته، إلى اعتباره أداة يمكن إعادة توظيفها لدعم الاستثمار وتحفيز النشاط الاقتصادي، وهو ما بدأت الحكومة بالفعل في تطبيقه عبر عدد من البرامج والاتفاقيات خلال السنوات الأخيرة.

ولعل أبرز هذه النماذج صفقة تطوير مدينة رأس الحكمة، التي تحولت إلى المثال الأكثر حضوراً في الخطاب الاقتصادي الرسمي عند الحديث عن تحويل الالتزامات المالية إلى استثمارات مباشرة. فالاتفاق الموقع بين مصر والإمارات في فبراير 2024 لم يقتصر على ضخ 24 مليار دولار لتطوير المشروع، بل شمل أيضاً تحويل 11 مليار دولار من الودائع الإماراتية لدى البنك المركزي المصري إلى استثمارات، لترتفع القيمة الإجمالية للصفقة إلى 35 مليار دولار، في أكبر استثمار أجنبي مباشر تشهده البلاد.

وترى الحكومة أن هذه التجربة قدمت نموذجاً عملياً لآلية يمكن البناء عليها مستقبلاً، بعدما ساهمت في تعزيز الاحتياطيات الأجنبية، ودعم استقرار سوق الصرف، وتحسين عدد من مؤشرات الدين العام، فضلاً عن تسجيل مصر أعلى مستوى لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2024.

وكانت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي السابقة رانيا المشاط قد أعلنت استعداد مصر لتنفيذ الشريحة الثانية من برنامج مبادلة الديون مع ألمانيا بقيمة 100 مليون يورو خلال عامي 2025 و2026، ضمن برنامج تتجاوز قيمته 340 مليون يورو، يوجه لتمويل مشروعات في مجالات الصحة والتدريب المهني والعمل المناخي.

ولا تنظر الحكومة إلى هذه البرامج باعتبارها اتفاقيات منفصلة، وإنما كجزء من سياسة أوسع تستهدف إعادة هيكلة أدوات التمويل، بما يقلل الاعتماد على الاقتراض التقليدي، ويوجه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج.

وتزامناً مع ذلك، تتحرك الحكومة على محور موازٍ يقوم على تعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة. ففي خطوة تعكس تغيراً في فلسفة إدارة المال العام، تسعى الحكومة إلى تأسيس شركة مساهمة لإدارة وتنمية واستثمار الأصول العقارية، بالشراكة مع القطاع الخاص، بهدف رفع العائد على تلك الأصول، والمساهمة في خفض الدين العام.

وبحسب مسؤولين حكوميين، تدرس الدولة استخدام الشركة كآلية لإعادة هيكلة جزء من الدين الحكومي، من خلال إتاحة استبدال بعض أدوات الدين، وفي مقدمتها أذون الخزانة، بحصص ملكية في الشركة الجديدة، بما يحول بعض حائزي أدوات الدين من دائنين إلى مساهمين في كيان استثماري، في نموذج يقترب من فلسفة تحويل الالتزامات المالية إلى أصول منتجة.

يأتي ذلك بعد قرار رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي بالترخيص لوزارة المالية والهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، بالاشتراك مع جهات أخرى، في تأسيس الشركة الجديدة، على أن تتولى إدارة وتنمية واستثمار الأصول العقارية والدخول في شراكات مع القطاع الخاص، بينما تشير التقديرات إلى إمكانية انضمام هيئة قناة السويس إلى هيكل الملكية من خلال مساهمات عينية تتمثل في أصول عقارية.

وتعكس هذه التحركات، في مجملها، اتجاهاً حكومياً متنامياً نحو توظيف الأصول العامة بصورة أكثر كفاءة، وربط إدارة الدين بإدارة الثروة، بدلاً من التعامل مع الملفين باعتبارهما مسارين منفصلين. وهو توجه لم يعد يقتصر على استثمار الأصول المحلية، وإنما امتد إلى التفاوض مع الدائنين لتحويل جزء من الالتزامات الخارجية إلى استثمارات مباشرة، في خطوة تمثل المرحلة التالية من استراتيجية حكومية تستهدف إدارة الدين، وهو ما تكشف عنه المفاوضات التي تقودها وزارة المالية مع عدد من المؤسسات والدول، واستراتيجية إدارة الدين حتى عام 2030.

ولا يبدو أن هذا التوجه يقتصر على الاستفادة من التجارب السابقة، بل أصبح جزءاً من استراتيجية مالية متكاملة تتبناها الحكومة بهدف إدارة الدين العام خلال السنوات المقبلة. فبحسب تصريحات سابقة لوزير المالية أحمد كجوك، تستهدف الحكومة صياغة استراتيجية متكاملة من أجل إدارة الدين حتى عام 2030، لتشكل الإطار الذي يحكم تحركات الدولة في هذا الملف خلال السنوات المقبلة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن الدين الخارجي لمصر تراجع إلى نحو 152.9 مليار دولار بنهاية يونيو 2024، وهو أدنى مستوى يسجله منذ عامين، بينما تستهدف الحكومة خفض الدين الخارجي للجهات الداخلة في الموازنة العامة بما يتراوح بين مليار وملياري دولار خلال العام المالي 2026-2027، بما يعني أن قيمة السداد الخارجي ستتجاوز حجم الاقتراض الجديد، في تحول يعكس تغيراً في فلسفة إدارة الدين.

ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية في ظل الضغوط التي تعرضت لها مصادر النقد الأجنبي خلال العامين الماضيين، وفي مقدمتها قناة السويس، التي تراجعت إيراداتها إلى نحو 4 مليارات دولار خلال عام 2024، مقارنة بأكثر من 10 مليارات دولار في العام السابق، نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر. ويرى كجوك أن عودة حركة السفن تدريجياً إلى مسارها الطبيعي ستنعكس إيجاباً على إيرادات القناة، كما ستسهم في خفض تكاليف النقل العالمية، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسعار السلع والمنتجات.

ولا تقف خطة الحكومة عند حدود التفاوض مع الدائنين، إذ تكشف وثائق التخطيط الرسمية عن توجه أكثر اتساعاً لإعادة توظيف الدين في خدمة الاستثمار. فقد نصت الاستراتيجية الرئاسية 2030 على تشكيل لجنة وزارية عليا تتولى التفاوض مع الدول والمؤسسات الدائنة لتحويل جزء من الديون إلى حصص ملكية في بعض الشركات المملوكة للدولة، وفقاً لسياسة الملكية وبالأسعار العادلة، بما يحقق التوازن بين جذب الاستثمارات والحفاظ على حقوق الدولة.

وتشير الوثيقة إلى أن هذه الآلية قد تسهم في تحويل ما يصل إلى 38% من الديون الخارجية إلى استثمارات، وهو مستهدف يعكس حجم الرهان الذي تضعه الحكومة على أدوات التمويل غير التقليدية، في إطار برنامج أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد وتعزيز دور القطاع الخاص.

وتعد الصين أحدث الشركاء الذين تتفاوض معهم القاهرة في هذا المسار، بعدما وصلت المباحثات الخاصة ببرنامج مبادلة الديون إلى مراحل متقدمة، بقيمة تتراوح بين 100 و120 مليون دولار، تخصص لتمويل مشروعات تنموية خضراء ذات بعد بيئي. ويأتي ذلك امتداداً لمذكرة التفاهم التي وقعتها القاهرة وبكين خلال منتدى “الحزام والطريق”، والتي وصفتها وزارة التعاون الدولي آنذاك بأنها أول اتفاق من نوعه توقعه الصين مع دولة على مستوى العالم.

غير أن التجربة المصرية في هذا المجال لا تبدأ مع الصين، إذ سبق أن نفذت القاهرة برامج ناجحة في مبادلة الديون مع كل من ألمانيا وإيطاليا، أسهمت في تمويل أكثر من 120 مشروعاً تنموياً في مجالات التعليم والطاقة المتجددة والتنمية الزراعية والخدمات الاجتماعية. كما شهدت العلاقات المصرية الألمانية توقيع اتفاقيات جديدة بقيمة 77.3 مليون يورو لدعم برامج التعليم والطاقة والتنمية المستدامة، بما يعكس استمرار الاعتماد على هذه الآلية في تمويل المشروعات التنموية.

وتسعى الدولة من خلال هذه البرامج إلى إعادة توجيه الأموال التي كان يفترض خروجها لسداد الأقساط والفوائد إلى الداخل، لتمويل استثمارات جديدة، بما يخفف الضغط على الاحتياطيات الأجنبية، ويوفر موارد إضافية يمكن توجيهها إلى القطاعات ذات الأولوية.

وفي هذا السياق، يرى الخبير المصرفي الدكتور أيمن حسن أن مبادلة الديون تمثل إحدى أكثر أدوات إدارة الدين كفاءة، لأنها تسمح بتحويل قيمة الالتزامات الخارجية إلى استثمارات داخل الاقتصاد المحلي، بدلاً من سدادها بالنقد الأجنبي، الأمر الذي يخفف الضغط على الاحتياطي، ويحد من الحاجة إلى الاقتراض الخارجي، ويدعم تمويل مشروعات الصحة والتعليم والطاقة والبنية الأساسية والتنمية المستدامة.

ويتفق معه الخبير المصرفي الدكتور هاني قداح، الذي يعتبر أن الاتفاق مع الصين يعكس اتجاهاً نحو تنويع مصادر التمويل وتعزيز الشراكات طويلة الأجل مع القوى الاقتصادية الكبرى، مؤكداً أن نجاح التجارب السابقة مع ألمانيا وإيطاليا يمنح القاهرة قاعدة يمكن البناء عليها للتوسع في اتفاقيات مماثلة خلال الفترة المقبلة.

وفي المقابل، يشدد رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية أحمد الوكيل على أن مبادلة الديون لا تمثل حلاً نهائياً لأزمة الدين، لكنها تخفف جزءاً من الالتزامات الخارجية، وتبقي الأموال داخل الاقتصاد المحلي، بما يدعم النشاط الإنتاجي، ويعزز ثقة المستثمرين في قدرة الدولة على إدارة التزاماتها بمرونة أكبر.

وتتسق هذه الرؤية مع استراتيجية المالية العامة متوسطة المدى للفترة من 2026 إلى 2030، التي تستهدف خفض نسبة دين أجهزة الموازنة إلى 65.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وتقليص عجز الموازنة إلى 4.9%، بالتوازي مع رفع معدل النمو الاقتصادي إلى ما بين 5% و6%، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.

وتنص الاستراتيجية على التوسع في استخدام أدوات تمويل غير تقليدية، تشمل مبادلة الديون بالاستثمارات، والاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض الخارجي الميسر، وإطالة متوسط عمر الدين، وتنشيط سوق أدوات الدين، بما يخفض تكلفة خدمة الدين، ويوفر مساحة مالية أكبر لزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.

ومن داخل البرلمان، تحظى هذه السياسة أيضاً بدعم لجنة الشؤون الاقتصادية. إذ تبين تصريحات سابقة لوكيل اللجنة النائب محمد عبد الحميد أن تحويل جزء من الديون إلى استثمارات يمثل خطوة ضرورية في ظل ارتفاع مستويات الدين العام، مؤكداً أن المقصود ليس بيع أصول الدولة، وإنما تعظيم الاستفادة من الأصول غير المستغلة، ولا سيما الشركات التابعة لقطاع الأعمال، بما يحقق عائداً اقتصادياً أعلى، ويخفض أعباء الدين في الوقت ذاته.

ويشير عبد الحميد إلى أن الخطة تمتد لتشمل الدينين الداخلي والخارجي، مع اختلاف آليات التنفيذ، لافتاً إلى أن الحكومة بدأت بالفعل اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه، مع مراعاة الاعتبارات الاقتصادية والأمنية عند اختيار الأصول التي يمكن إدراجها ضمن برامج المبادلة.

مقالات مقترحة

عرض الكل