في لقطة طريفة، سُئل المتحدث باسم وزارة البترول والثروة المعدنية، المهندس محمود ناجي، عن إجمالي إنتاج مصر اليومي من البترول. فجاء رده المفاجئ بأنه لا يريد إعلان الرقم “خوفًا من الحسد”، قبل أن يعود ليكشف أن الإنتاج تجاوز حاليًا 550 ألف برميل يوميًا.
تحول مهم
يعكس هذا الرقم تحولًا مهمًا يشهده قطاع البترول المصري بعد سنوات من تراجع الإنتاج، فخلال الأشهر الأخيرة، بدأت مؤشرات القطاع تتحسن بصورة متزامنة؛ إنتاج النفط يرتفع إلى أعلى مستوياته منذ نحو عامين، ومعامل التكرير تزيد معدلات تشغيلها، والصادرات تحقق قفزات غير مسبوقة، فيما تعود شركات النفط العالمية إلى ضخ استثمارات جديدة بعد تسوية جانب كبير من مستحقاتها.
يأتي ذلك في إطار استراتيجية أوسع تتبناها وزارة البترول والثروة المعدنية، تستهدف زيادة الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتعظيم القيمة المضافة للخام، وصولًا إلى تعزيز أمن الطاقة ودعم الاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، أعلن المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، أن إنتاج مصر من البترول الخام سجل أعلى مستوى له منذ نحو عامين، مؤكدًا أن ذلك يعكس نجاح استراتيجية الوزارة في تحفيز الاستثمار وزيادة الإنتاج المحلي.
وأوضح الوزير أن هذه النتائج جاءت بعد نجاح الدولة في سداد مستحقات شركاء الاستثمار الأجانب، وهو ما شجع الشركات على ضخ استثمارات جديدة، وتكثيف أعمال البحث والاستكشاف، والإسراع في تنفيذ برامج تنمية الحقول ورفع معدلات الإنتاج.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن إنتاج النفط الخام ارتفع من نحو 501 ألف برميل يوميًا في أغسطس 2025 إلى نحو 540 ألف برميل يوميًا خلال يونيو الماضي، قبل أن يتجاوز حاليًا مستوى 550 ألف برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى يسجله القطاع منذ قرابة عامين.
ويمثل هذا التحسن نقطة تحول بعد فترة شهد فيها الإنتاج تراجعًا متواصلًا، بلغ ذروته في يوليو 2025 عندما سجل نحو 486 ألف برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى شهري في تاريخ إنتاج النفط الخام بمصر.
استهلاك كبير
لكن قراءة هذه الأرقام لا تكتمل دون النظر إلى الجانب الآخر من المعادلة، وهو الطلب المحلي الذي يواصل الارتفاع بوتيرة سريعة، ويضع ضغوطًا متزايدة على قطاع الطاقة.
فبحسب أحدث البيانات، تجاوز استهلاك مصر من النفط خلال عام 2025 حاجز المليون برميل يوميًا للمرة الأولى في تاريخه، ليسجل نحو 1.024 مليون برميل يوميًا، مقابل 971 ألف برميل في عام 2024.
ويعكس هذا المستوى القياسي نمو الطلب على الوقود في السوق المحلية، لتصبح مصر واحدة من أكبر الدول الأفريقية استهلاكًا للنفط، وهو ما يزيد الحاجة إلى زيادة الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات.
وتكشف البيانات التاريخية أن استهلاك النفط في مصر تضاعف تقريبًا خلال ربع قرن، بعدما ارتفع من نحو 511 ألف برميل يوميًا عام 2000 إلى أكثر من مليون برميل يوميًا في عام 2025.
وبعد التراجع الذي شهده الاستهلاك خلال جائحة كورونا، عاد منحنى الطلب إلى الصعود مجددًا، ليرتفع من 760 ألف برميل يوميًا في عام 2020 إلى 860 ألفًا في 2021، ثم 936 ألفًا في 2022، و974 ألفًا في 2023، وصولًا إلى المستوى القياسي الحالي.
وفي المقابل، اتخذ الإنتاج المحلي مسارًا مغايرًا خلال السنوات الماضية، إذ تراجع إنتاج النفط الخام من نحو 695 ألف برميل يوميًا في عام 2000 إلى نحو 422 ألف برميل يوميًا في عام 2025، قبل أن يبدأ رحلة التعافي الحالية.
وأدى اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك إلى زيادة الاعتماد على الواردات، حيث ارتفعت واردات مصر من النفط الخام ومشتقاته إلى نحو 392 ألف برميل يوميًا خلال عام 2025، وهو أعلى مستوى لها منذ عام 2018، وإن ظل أقل من الذروة التاريخية البالغة 459 ألف برميل يوميًا في عام 2015.
زيادة الإنتاج
وتفسر هذه الأرقام تركيز وزارة البترول على زيادة الإنتاج المحلي باعتباره الخيار الأكثر فاعلية لخفض فاتورة الاستيراد، وتقليل الضغوط على النقد الأجنبي، وتوفير احتياجات السوق من مصادر محلية.
ولهذا، لم تقتصر خطة الوزارة على رفع الإنتاج فقط، بل استهدفت أيضًا إعادة بناء الثقة مع شركاء الاستثمار، بعد سنوات أثرت فيها تراكمات المستحقات المالية على وتيرة ضخ الاستثمارات الجديدة.
وفي هذا الإطار، نجحت الدولة في تصفير جميع المستحقات المتأخرة لشركاء الاستثمار في قطاعي البترول والغاز الطبيعي، لتصل إلى صفر دولار لأول مرة منذ سنوات، بعد أن بلغت نحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024، ما يمثل تحولًا استراتيجيًا يعزز ثقة المستثمرين ويدعم خطط زيادة الإنتاج.
كما قدمت الحكومة حوافز جديدة للشركاء، شملت تحسين اقتصاديات اتفاقيات البحث والإنتاج، والسماح بتصدير جزء من الإنتاج الجديد لاستخدام عائداته في تسوية المستحقات، إلى جانب رفع أسعار شراء حصة الشريك من الإنتاج الجديد.
وأسهمت هذه الإجراءات في عودة شركات كبرى مثل “إيني” و”بي بي” و”شيفرون” و”أباتشي” إلى تكثيف أنشطة البحث والاستكشاف، سواء في البحر المتوسط أو البحر الأحمر أو الصحراء الغربية.
وتستهدف الحكومة جذب استثمارات أجنبية مباشرة في قطاع النفط بقيمة تقارب 6.2 مليار دولار خلال العام المالي 2026-2027، لتمويل برامج تنمية الحقول وزيادة الإنتاج المحلي.
كما تتبنى الوزارة خطة طموحة لحفر أكثر من 100 بئر استكشافية خلال عام 2026، إلى جانب آبار تنمية الحقول القائمة، بما يدعم الوصول إلى اكتشافات جديدة وتعويض التراجع الطبيعي في إنتاج الحقول القديمة.
ولا تقتصر الجهود على زيادة عدد الآبار، بل تشمل أيضًا تقليص المدد الزمنية اللازمة لربط الاكتشافات الجديدة على الإنتاج، بما يضمن تحقيق عائد أسرع وخفض فاتورة استيراد الوقود.
وتواكب هذه الخطة برنامجًا استكشافيًا أوسع يستهدف حفر مئات الآبار حتى عام 2030، بالتزامن مع تحسين بيئة الاستثمار وتقديم حوافز إضافية للمناطق ذات المخاطر المرتفعة، مثل البحر الأحمر وغرب البحر المتوسط وجنوب الصحراء الغربية.
وفي هذا الإطار، أعلنت الوزارة نجاح شركة “أباتشي” العالمية، بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للبترول، في تحقيق كشف جديد بمنطقة جنوب كلابشة في الصحراء الغربية، أظهرت اختباراته الأولية إنتاج نحو 26 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و2700 برميل من المتكثفات يوميًا، مع الاستفادة من قربه من التسهيلات الإنتاجية القائمة لتسريع إدخاله على خريطة الإنتاج.
كما تعتزم الوزارة طرح مناقصة عالمية لإجراء مسح سيزمي يغطي أكثر من 50 ألف كيلومتر مربع في الصحراء الغربية، التي تمثل أكثر من 60% من إنتاج الزيت الخام في مصر، بهدف توفير بيانات حديثة تدعم جذب شركات عالمية جديدة وتسريع عمليات البحث والاستكشاف، دون تحميل الدولة تكلفة تنفيذ أعمال المسح.
تقنيات حديثة
ولم تعتمد خطة زيادة الإنتاج على أعمال الحفر التقليدية فقط، بل توسعت الوزارة في استخدام تقنيات حديثة، من بينها الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، باعتبارها أدوات رئيسية لرفع إنتاجية الآبار وتعظيم الاستفادة من الخزانات البترولية. وأكد وزير البترول أن التوسع في تطبيق هذه التقنيات يمثل أحد المحاور المهمة لتنفيذ خطة زيادة الإنتاج، خاصة في ظل الحاجة إلى حلول غير تقليدية للتعامل مع تحديات الحقول الناضجة.
وأظهرت نتائج تطبيق التكسير الهيدروليكي خلال العام المالي الحالي تنفيذ 40 عملية ناجحة، أسهمت في إضافة أكثر من 10 آلاف برميل بترول يوميًا، وما يزيد على 15 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا إلى معدلات الإنتاج.
وبالتوازي مع جهود زيادة الإنتاج، شهد قطاع التكرير تطورات مهمة خلال العام الجاري، مع توجيه كميات أكبر من الخام المحلي والمستورد إلى معامل التكرير المصرية، بما أسهم في رفع معدلات التشغيل إلى نحو 80%.
وقال وزير البترول إن زيادة إنتاج الخام والمتكثفات، إلى جانب تطوير معامل التكرير، ساعدت على تعظيم القيمة المضافة للثروة البترولية، عبر تحويل الخام إلى منتجات نهائية ذات قيمة اقتصادية أعلى بدلًا من تصديره في صورته الأولية.
وانعكس ذلك على أداء الصادرات، حيث تجاوزت صادرات المنتجات البترولية 2.3 مليون طن خلال النصف الأول من عام 2026، بما يعادل إجمالي صادرات عام 2025 بالكامل، وبلغت قيمتها نحو 2.3 مليار دولار.
وتتوقع الوزارة ارتفاع صادرات المنتجات البترولية إلى نحو 2.5 مليون طن خلال النصف الثاني من العام، مدفوعة بزيادة إنتاج وقود الطائرات والنافتا والشموع ومقطر التفريغ، وتحسن كفاءة التشغيل في معامل التكرير.
الطموح الأكبر
ورغم التحسن الحالي في معدلات الإنتاج، فإن الطموح الأكبر للقطاع يتمثل في الوصول إلى إنتاج مليون برميل يوميًا بحلول عام 2030، وهو هدف وضعته الحكومة ضمن خططها المستقبلية لزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي.
لكن تحقيق هذا الهدف يظل محل نقاش بين الخبراء، إذ يرى الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن الوصول إلى مليون برميل يوميًا خلال أربع سنوات فقط يمثل تحديًا كبيرًا، معتبرًا أن هذا الرقم “صعب التحقيق” في ظل معدلات التناقص الطبيعي للحقول الحالية.
وأشار راغب إلى أن الاكتشافات الجديدة، رغم أهميتها، لا تزال بحاجة إلى زيادة حجمها وسرعة تحويلها إلى إنتاج فعلي، مرجحًا أن يتراوح الإنتاج عند مستويات بين 700 و800 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2030 إذا استمرت الظروف الحالية.
من جانبه، يرى مدير وحدة أبحاث الطاقة أحمد شوقي أن عام 2026 سيكون عامًا حاسمًا في تحديد مسار الإنتاج خلال السنوات المقبلة، مشيرًا إلى أن النجاح يعتمد على عاملين رئيسيين؛ أولهما الحفاظ على التعافي الحالي ووقف التراجع الطبيعي للحقول المنتجة، والثاني نجاح خطة حفر أكثر من 100 بئر خلال العام ضمن برنامج أوسع حتى عام 2030.
وأوضح شوقي أن تحقيق مستويات إنتاج مرتفعة يتطلب استمرار دعم الشركاء الأجانب، وتسريع برامج التنمية، وإعادة تأهيل الحقول القديمة، خاصة في الصحراء الغربية التي تمثل الجزء الأكبر من إنتاج النفط المصري.







