دفة الأسعار إلى بر الاستقرار… هل تصل ثمار الإصلاح أخيرًا إلى موائد المصريين؟

دفة الأسعار إلى بر الاستقرار… هل تصل ثمار الإصلاح أخيرًا إلى موائد المصريين؟
مشاركة المقال:
حجم الخط:

تستعد الحكومة لإطلاق خطة تنفيذية متكاملة تستهدف ضمان توافر السلع الأساسية واستقرار أسعارها، في خطوة تعكس توجهًا رسميًا لترجمة التحسن الذي شهدته مؤشرات الاقتصاد الكلي خلال الأشهر الماضية إلى واقع يلمسه المواطن في الأسواق، عبر خفض الأعباء المعيشية وتعزيز القوة الشرائية، في وقت لا تزال فيه الأسواق تواجه تحديات ناجمة عن تقلبات أسعار الطاقة عالميًا، وتذبذب سعر الصرف، واستمرار التوترات الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على حركة التجارة وسلاسل الإمداد.

خطة متكاملة

وأكد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن الحكومة ستعرض خلال الأيام العشرة المقبلة خطة تنفيذية متكاملة على مجلس الوزراء، لبدء تنفيذ التكليفات الرئاسية الخاصة بضمان توافر السلع الأساسية واستقرار الأسعار، مشيرًا إلى أن الدولة تتابع بصورة مستمرة حركة الأسواق، وتعمل على الحفاظ على استقرار الأسعار وضمان توافر احتياجات المواطنين.

وأوضح مدبولي أن الاقتصاد المصري يواصل مساره الإيجابي، مع تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية وفي مقدمتها تراجع معدل التضخم، إلا أن الحكومة تدرك أن نجاح هذه المؤشرات لا يكتمل إلا إذا انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، من خلال انخفاض أسعار السلع والخدمات الأساسية واستقرارها، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بتخفيف الأعباء المعيشية.

وأشار رئيس الوزراء إلى أن زيادة الإنتاج المحلي تمثل الركيزة الأساسية لتحقيق التوازن داخل الأسواق، موضحًا أن الحكومة تواصل تنفيذ إجراءات داعمة للإنتاج في مختلف القطاعات، بالتوازي مع التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي وخفض فاتورة الاستيراد. وفي الوقت نفسه، لفت إلى أن الارتفاعات الأخيرة في أسعار البترول العالمية نتيجة التوترات الإقليمية تفرض تحديات إضافية على الاقتصاد المصري، إلا أن الحكومة تعمل على الحد من انعكاساتها على الأسواق المحلية.

وتأتي هذه التحركات في وقت تشير فيه البيانات الرسمية إلى تباطؤ تدريجي في وتيرة التضخم، إذ سجل معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن 14.3% خلال يونيو الماضي، مقارنة بـ14.6% في مايو، بينما سجل الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين للحضر تراجعًا شهريًا بنسبة 0.4%.

كما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء انخفاض معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية إلى 12.2% خلال يونيو، مقابل 13% في مايو، مدفوعًا بتراجع أسعار عدد من المجموعات الغذائية، وفي مقدمتها اللحوم والدواجن، والألبان والجبن والبيض، والخضراوات، في حين استمرت بعض السلع الأخرى في تسجيل زيادات محدودة، مثل الحبوب والزيوت والأسماك.

وفي المقابل، أظهرت بيانات البنك المركزي المصري ارتفاع معدل التضخم الأساسي إلى 14.3% على أساس سنوي خلال يونيو، مقابل 13.8% في مايو، رغم تسجيله زيادة شهرية محدودة بلغت 0.3%، بما يعكس استمرار الضغوط على بعض مكونات الأسعار الأساسية، رغم تباطؤ التضخم العام.

وبالتزامن مع هذه التطورات، قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي تثبيت أسعار الفائدة، معتبرة أن الإبقاء على السياسة النقدية الحالية يمثل الخيار الأنسب في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة، واحتمالات اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.

وأوضح البنك المركزي أن التقديرات الأولية تشير إلى تباطؤ طفيف في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني من العام الجاري نتيجة تداعيات الصراع الإقليمي، مع استمرار توقعات تحقيق متوسط نمو يبلغ نحو 5% خلال العام المالي الحالي، متوقعًا أن يشهد التضخم ارتفاعًا مؤقتًا خلال الربع الثالث من العام بسبب تأثير سنة الأساس، قبل أن يستأنف مساره النزولي تدريجيًا ليقترب من مستهدفاته خلال عام 2027.

سبعة محاور

وفي إطار البرنامج القومي لخفض الغلاء وكلفة المعيشة، وضعت الحكومة سبعة محاور رئيسة تستهدف زيادة المعروض من السلع وخفض تكاليف التداول وتحقيق استقرار الأسواق.

وتتضمن الخطة تأسيس شركة وطنية مشتركة بين جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” ووزارتي التموين والزراعة لتكون الذراع التنفيذية للبرنامج ومشروع “كاري أون”، إلى جانب إعداد خريطة قومية لإنشاء سوق دائمة واحدة على الأقل داخل كل محافظة، مع ضخ مليار جنيه لبدء تنفيذ المرحلة الأولى من هذه الأسواق.

كما تشمل الخطة إطلاق برنامج للأسواق الموسمية بالتعاون مع الاتحاد العام للغرف التجارية، وتوحيد إدارة المنافذ المتنقلة التابعة للجهات الحكومية المختلفة ضمن منظومة تشغيل موحدة، إضافة إلى إنشاء منظومة متكاملة لإدارة سلاسل الإمداد والتوزيع تربط بين الإنتاج والتخزين والنقل ومنافذ البيع، بما يسهم في تقليل حلقات التداول وخفض التكلفة النهائية للسلع.

وتستهدف الحكومة كذلك التوسع في إنشاء منافذ بيع جديدة خلال فترة تتراوح بين 30 و45 يومًا، مع إطلاق حملات بيع موحدة لزيادة المعروض وتحقيق استقرار الأسعار، فضلاً عن تشكيل لجنة عليا للإشراف على تنفيذ البرنامج ووضع مؤشرات أداء لقياس مدى تحقيق مستهدفاته.

وتأتي هذه الإجراءات بينما لا تزال الأسواق تتأثر بتذبذب سعر الدولار أمام الجنيه، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تسعير عدد من السلع، خصوصًا التي تعتمد على مدخلات إنتاج أو مكونات مستوردة.

فقد أدى تذبذب سعر الصرف خلال الأشهر الماضية إلى اتجاه عدد من التجار إلى تبني سياسات تحوط في التسعير، سواء عبر تخزين السلع خلال فترات الوفرة أو احتساب الأسعار وفق توقعات تغيرات سعر الدولار، وهو ما ساهم في استمرار الضغوط على الأسواق، خاصة في قطاعات الأجهزة الكهربائية والسلع المعمرة.

وفي هذا السياق، أكد رئيس غرفة الجيزة التجارية، أسامة الشاهد، أن استقرار الأسعار يرتبط في الأساس بزيادة المعروض من السلع، موضحًا أن وفرة الإنتاج تؤدي بطبيعتها إلى انخفاض الأسعار، بينما يؤدي نقص المعروض إلى ارتفاعها. وأضاف أن دور الدولة لا يتمثل في فرض الأسعار داخل اقتصاد حر، وإنما في التوسع في المنافذ الحكومية والمجمعات الاستهلاكية، بما يعزز المنافسة ويمنح المستهلك بدائل متنوعة، الأمر الذي يدفع التجار إلى تقديم أسعار أكثر تنافسية.

وأشار الشاهد إلى أن زيادة الإنتاج لا تحقق فقط وفرة في السلع، وإنما تؤدي أيضًا إلى خفض تكلفة الوحدة المنتجة نتيجة توزيع التكاليف الثابتة على حجم إنتاج أكبر، كما أن تقليص الحلقات الوسيطة بين المنتج والمستهلك يحد من تكاليف النقل والتداول وهوامش الأرباح، وهو ما ينعكس في النهاية على السعر الذي يدفعه المستهلك.

من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي وليد جاب الله أن الحديث عن خفض الأسعار ينبغي أن يُفهم في إطار آليات الاقتصاد الحر، إذ إن الحكومة لا تستهدف فرض انخفاض عام للأسعار، وإنما التأثير في أسعار السلع الأساسية الأكثر ارتباطًا بمعيشة المواطنين من خلال زيادة المعروض، والتوسع في المنافذ الحكومية، وتعزيز المنافسة داخل الأسواق.

وأضاف أن الخطة المرتقبة من المرجح أن تتضمن إعادة تفعيل المبادرات المشتركة مع الغرف التجارية واتحاد الصناعات، لتشجيع المنتجين والتجار على طرح السلع الأساسية بأسعار مناسبة، وهي آليات سبق استخدامها خلال فترات سابقة وأثبتت قدرتها على تخفيف الضغوط السعرية.

وأشار جاب الله إلى أن التركيز سيكون على السلع التي تستحوذ على النصيب الأكبر من إنفاق الأسر، خاصة مع اقتراب موسم العودة إلى المدارس، بما يشمل السلع الغذائية والأدوات المدرسية والملابس، مؤكدًا أن أي انخفاض في أسعار الغذاء ستكون له آثار مباشرة على معدل التضخم، لأن بند الطعام والشراب يمثل نحو 40% من متوسط إنفاق الأسرة المصرية.

كيف تنجح؟

ويرى رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ ناجي الشهابي أن نجاح الخطة الحكومية لن يقاس فقط بتحسن معدلات النمو أو زيادة الاحتياطيات الأجنبية أو تراجع معدل التضخم، وإنما بقدرتها على استعادة القوة الشرائية للمواطن، بحيث تصبح تكلفة المعيشة أقل ويتمكن أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة من تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وأوضح أن الحكومة تمتلك مجموعة واسعة من الأدوات لتحقيق هذا الهدف، تشمل تفعيل قوانين حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وتشديد الرقابة على الأسواق، والإسراع في الإفراج عن مستلزمات الإنتاج، وتوفير التمويل اللازم للصناعة والزراعة، وخفض تكاليف الإنتاج والنقل، إلى جانب التوسع في المنافذ الحكومية.

لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذه الإجراءات لن تحقق نتائج مستدامة إذا لم تترافق مع زيادة الإنتاج المحلي، باعتباره الضمان الحقيقي لاستقرار الأسعار وتقليل الاعتماد على الواردات، محذرًا من أن تحسن المؤشرات الاقتصادية قد لا ينعكس تلقائيًا على المستهلك إذا احتفظت بعض حلقات التداول بمكاسب انخفاض التكلفة أو تراجعت مستويات المنافسة داخل الأسواق.

بدوره، أكد الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور عبد الله أبو سمرة أن الحكومة تمتلك بالفعل أدوات للتدخل في الأسواق، لكنها تحتاج إلى التركيز على الحلول الهيكلية طويلة الأجل أكثر من الاعتماد على الإجراءات الرقابية المؤقتة.

وأوضح أن التسعير الجبري والحملات الرقابية قد تحقق نتائج محدودة، لكنها ليست بديلاً عن بناء سوق أكثر كفاءة، داعيًا إلى الانتقال من دور الدولة باعتبارها “شرطيًا للسوق” إلى دور “منظم للسوق”، عبر ربط المنتجين مباشرة بسلاسل الإمداد وتقليص عدد الوسطاء، مشيرًا إلى أن بعض الدراسات تقدر هوامش أرباح الوسطاء بأكثر من 40% من سعر السلعة.

كما دعا إلى تعزيز الشفافية في الإفصاح عن تكاليف الاستيراد والإنتاج، والتنسيق مع الشركات الكبرى لتوفير السلع الأساسية بهوامش ربح محدودة مقابل حوافز تشغيلية وجمركية، إلى جانب توجيه التمويل بصورة أكبر إلى المشروعات الصغيرة والزراعة والتصنيع الغذائي، بما يزيد الإنتاج المحلي ويحد من التضخم الناتج عن نقص المعروض.

وفي السياق نفسه، اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور هاني قداح أن تحسن الاحتياطيات الأجنبية وتراجع معدل التضخم يعكسان قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الصدمات الخارجية، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية.

وأوضح أن تنويع مصادر النقد الأجنبي، من خلال زيادة تحويلات المصريين بالخارج، وتعافي السياحة، ونمو الصادرات، وجذب الاستثمارات الأجنبية، عزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية والحفاظ على استقرار سوق الصرف، وهو ما يمثل عنصرًا مهمًا في دعم استقرار الأسعار خلال المرحلة المقبلة.

وأضاف أن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب مواصلة الإصلاحات الهيكلية، وتمكين القطاع الخاص، وتحسين مناخ الاستثمار، مع التركيز على زيادة الإنتاج المحلي وتعميق التصنيع ورفع القدرة التصديرية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد المصري ويحد من الضغوط التضخمية على المدى الطويل.

الضمانة الحقيقية

أما الخبير الاقتصادي الدكتور بلال شعيب، فرأى أن الضمانة الحقيقية لكبح التضخم لا تتمثل في الإجراءات التنظيمية وحدها، وإنما في زيادة الناتج المحلي الإجمالي والتوسع في الإنتاج الزراعي والصناعي، مشيرًا إلى أن الاقتصاد المصري عانى لعقود من خلل هيكلي في الميزان التجاري نتيجة الاعتماد الكبير على الواردات، إذ تقترب فاتورة الاستيراد من 90 مليار دولار سنويًا، بينما لا تزال الصادرات عند مستويات أقل بكثير.

وأوضح أن تعزيز الأمن الغذائي أصبح أولوية استراتيجية في ظل الاضطرابات العالمية، لافتًا إلى أن التوسع في الرقعة الزراعية خلال السنوات الأخيرة يمثل خطوة مهمة لتقليل الاعتماد على استيراد السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح، بما يخفف الضغط على النقد الأجنبي ويقلل تأثر الأسواق المحلية بتقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكاليف النقل والتأمين الناجمة عن التوترات الإقليمية.

وأشار إلى أن توجه الدولة نحو دعم الإنتاج، وتعزيز المنافسة، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، يستهدف في النهاية زيادة المعروض من السلع، وتحقيق توازن مستدام داخل الأسواق، بما ينعكس على استقرار الأسعار وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

مقالات مقترحة

عرض الكل