التهدئة في لبنان بين مطالب الانسحاب الإسرائيلي واستمرار التصعيد

التهدئة في لبنان بين مطالب الانسحاب الإسرائيلي واستمرار التصعيد
مشاركة المقال:
حجم الخط:

تتزايد التحديات أمام مسار التهدئة في لبنان مع استمرار الضربات الإسرائيلية في الجنوب، رغم دخول وقف إطلاق النار أسبوعه الثاني، وفي وقت تسعى بيروت إلى تثبيت اتفاق الإطار الذي جرى التوصل إليه برعاية أميركية في واشنطن كمدخل لإنهاء الأعمال العدائية بصورة دائمة.

ويأتي ذلك بينما تحاول السلطات اللبنانية الدفع باتجاه استكمال الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي لا تزال قوات الاحتلال الإسرائيلي موجودة فيها، بالتوازي مع خطط إعادة الاستقرار وعودة النازحين إلى مناطقهم، وسط تقديرات رسمية تشير إلى خسائر بمليارات الدولارات جراء الحرب الأخيرة.

عون: الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان شرط لترسيخ الاستقرار

وفي هذا السياق، شدد الرئيس اللبناني “جوزيف عون”، اليوم الإثنين، خلال حوار عبر الفيديو مع “مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان”، على ضرورة ممارسة ضغوط على إسرائيل للانسحاب من المناطق التي تحتلها داخل الأراضي اللبنانية، معتبراً أن استمرار الاحتلال يقوض شرعية الدولة اللبنانية ويعرقل انتشار الجيش ويضعف فرص تحقيق سلام عادل ودائم.

وبحسب الصفحة الرسمية للرئاسة اللبنانية علي منصة إكس”، أكد “عون” أن الجيش والقوى الأمنية يمثلان حجر الأساس للاستقرار والأمن في الجنوب، مشيراً إلى أهمية عودة الأهالي إلى مناطقهم ومنازلهم، فيما استبعد أي احتمال لعودة الحرب الأهلية إلى لبنان رغم ما وصفها بـ”محاولات لإثارة الفتنة الداخلية”.

كما اعتبر الرئيس اللبناني أن خيار التفاوض بات المسار الوحيد المتاح بعد إخفاق الحرب في تحقيق الأهداف المعلنة لها، محذراً من أن استمرار الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية لن يخدم الأهداف التي وضعتها الولايات المتحدة ولبنان لاستعادة السيادة وتعزيز مؤسسات الدولة.

وأوضح “عون” أن تعليق الدعاوى المتبادلة بين لبنان وإسرائيل يقتصر على فترة المفاوضات ولا يعني التخلي عنها بصورة نهائية.

اتفاق الإطار بين رهانات التنفيذ وتعقيدات الواقع

ويأتي موقف الرئيس اللبناني في وقت لا يزال فيه اتفاق الإطار المدعوم أميركياً يواجه اختبارات ميدانية وسياسية متواصلة.

فبعد محادثات جرت في واشنطن، توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق يهدف إلى تمهيد الطريق لإنهاء دائم للأعمال العدائية الإسرائيلية، وذلك بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 21 يونيو الماضي ضمن الترتيبات التي رافقت الاتفاق الأميركي الإيراني لإنهاء الحرب الإقليمية.

وينص الاتفاق على انسحاب إسرائيلي تدريجي من جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي يتم إخلاؤها، بدءاً من منطقتين تجريبيتين، إلى جانب نزع سلاح “حزب الله”، من دون تحديد جدول زمني واضح لاستكمال الانسحاب.

إلا أن الخلافات القائمة بشأن مستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب ما تزال تشكل إحدى أبرز العقبات أمام تنفيذ الاتفاق، خصوصاً بعد تأكيد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في وقت سابق، أن جيش الاحتلال سيواصل انتشاره في جنوب لبنان “طالما كان ذلك ضرورياً” لحماية سكان شمال إسرائيل.

كما يواجه الاتفاق تحدياً سياسياً إضافياً بعد إعلان “حزب الله” رفضه للإطار المطروح، في ظل استمرار الجدل الداخلي والإقليمي حول آليات تطبيقه وانعكاساته على التوازنات القائمة في لبنان.

غارة في النبطية تعيد التوتر إلى الواجهة

وميدانياً، أظهرت التطورات الأخيرة هشاشة التهدئة القائمة، بعدما أفادت وسائل إعلام رسمية لبنانية بمقتل 4 أشخاص في غارة إسرائيلية استهدفت سيارة في جنوب البلاد.

وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام أن الضحايا هم مديرة مدرسة ووالدتها وعاملة منزل أجنبية وعامل سوري، وقد قتلوا إثر استهداف طائرة مسيرة إسرائيلية للسيارة التي كانوا يستقلونها أثناء عودتهم من تفقد منزل العائلة في بلدة النبطية الفوقا.

وتأتي هذه الحادثة في إطار سلسلة من الضربات المستمرة بين الحين والأخر التي تواصل إسرائيل تنفيذها في جنوب لبنان، ولا سيما في منطقة النبطية، حيث تقول إنها تستهدف مواقع وعناصر تابعة لـ”حزب الله”، بينما يتبادل الجانبان الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار.

وفيما تتواصل تداعيات المواجهات العسكرية على لبنان، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة اللبنانية أن الحصيلة التراكمية للضحايا جراء العدوان منذ الثاني من مارس الماضي  وحتى اليوم ارتفعت إلى4319  قتيلاً و12203 جرحى.

كلفة الحرب على لبنان وإعادة الإعمار

وعلى الجانب الاقتصادي، تعكس التقديرات الرسمية حجم الأعباء التي خلفتها الحرب الأخيرة على لبنان، في وقت تسعى الحكومة إلى تسريع خطوات إعادة الاستقرار وتهيئة الظروف لعودة السكان إلى مناطقهم.

وأعلن وزير الإعلام اللبناني “بول مرقص” أن الكلفة المادية المباشرة الأولية للحرب والقصف الإسرائيلي تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار، من دون احتساب الخسائر الاقتصادية والأضرار غير المباشرة.

وأوضح “مرقص”، في مؤتمر صحفي عقب اجتماع حكومي ترأسه رئيس الوزراء “نواف سلام”، اليوم، أن هذه الأرقام تستند إلى تقديرات أولية، مشيراً إلى أن رئيس الحكومة وجه الوزراء المعنيين إلى استكمال الإجراءات الرامية إلى تسهيل عودة النازحين وتأمين الخدمات الأساسية وتعزيز التنسيق بين الوزارات المختصة لتحقيق هذه الغاية.

بين الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار

وتكشف التطورات السياسية والميدانية المتزامنة أن نجاح اتفاق الإطار سيبقى مرتبطاً بمدى القدرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية على الأرض، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وتهيئة الظروف الآمنة لعودة السكان.

وبينما تدفع بيروت باتجاه تثبيت هذه المعادلة، فإن استمرار الغارات والخلاف حول مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب يبقيان مسار التهدئة أمام اختبار مفتوح خلال المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضا: بري وقاليباف: اتفاق واشنطن لا يضمن سيادة لبنان

مقالات مقترحة

عرض الكل