مصطفى رضوان: الاقتصاد المصري أكثر مرونة بمواجهة الصدمات الإقليمية

مصطفى رضوان: الاقتصاد المصري أكثر مرونة بمواجهة الصدمات الإقليمية

التحسن الاقتصادي

مشاركة المقال:
حجم الخط:

الحرب الإيرانية تهدد بارتفاع فاتورة الطاقة وتكلفة خدمة الدين العام

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وعودة الحرب الإيرانية إلى واجهة المشهد، تتزايد التساؤلات حول انعكاسات هذه التطورات على الاقتصاد المصري، وخاصة على الموازنة العامة للدولة. هل تستطيع الموازنة استيعاب الصدمات الخارجية؟ وما حجم المخاطر التي قد تواجهها؟ وهل تمتلك الحكومة الأدوات الكافية للتعامل مع هذه المستجدات؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، أجرت الصحيفة هذا الحوار مع الدكتور مصطفى رضوان، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة.

س: بدايةً.. كيف تقرأون تأثير عودة الحرب الإيرانية على الموازنة العامة المصرية؟

بدايةً، يجب التأكيد أن الاقتصاد المصري جزء لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي، وبالتالي فإن أي اضطرابات جيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط تنعكس بدرجات متفاوتة على الاقتصاد الوطني. وإذا استمرت الحرب أو اتسعت رقعتها، فمن الطبيعي أن تواجه الموازنة العامة ضغوطًا إضافية، سواء على جانب الإيرادات أو المصروفات، وهو ما يتطلب إدارة مالية تتسم بالمرونة وسرعة الاستجابة.

س: ما أكثر البنود المعرضة للتأثر داخل الموازنة؟

ج: هناك أربعة بنود رئيسية ستكون الأكثر حساسية، وهي:

* فاتورة استيراد الطاقة.

* تكلفة خدمة الدين العام.

* مخصصات الدعم والحماية الاجتماعية.

* الإيرادات المرتبطة بالنقد الأجنبي، وعلى رأسها قناة السويس والسياحة.

وكلما ارتفعت أسعار النفط أو ازدادت حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، زادت الضغوط على هذه البنود.

س: هل يمكن أن تؤدي الحرب إلى زيادة عجز الموازنة؟

ج: نعم، إذا اقترنت بارتفاع أسعار الطاقة وتراجع بعض الإيرادات الدولارية، فقد يرتفع عجز الموازنة بصورة مؤقتة. لكن حجم التأثير سيظل مرتبطًا بمدة الأزمة وقدرة الحكومة على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وهو ما يُعد عنصرًا حاسمًا في إدارة المالية العامة خلال فترات الأزمات.

س: البعض يربط بين الحرب وأسعار النفط.. لماذا؟

ج: لأن منطقة الشرق الأوسط تُعد من أهم مناطق إنتاج وتصدير النفط عالميًا. وأي توترات عسكرية تثير مخاوف الأسواق بشأن الإمدادات، وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع. وبالنسبة لمصر، فإن ارتفاع أسعار النفط يعني زيادة تكلفة الاستيراد والإنتاج، بما ينعكس على الموازنة ومستويات الأسعار.

س: وهل يمتد التأثير إلى المواطن بشكل مباشر؟

ج: بالتأكيد، فارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما ينعكس تدريجيًا على أسعار السلع والخدمات. ولذلك تحرص الدولة عادة على توسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتخفيف آثار هذه المتغيرات على الفئات الأكثر احتياجًا.

س: ماذا عن قناة السويس؟ وهل يمكن أن تتأثر إيراداتها؟

ج: قناة السويس من أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر، وأي اضطرابات في حركة التجارة أو الملاحة الدولية قد تؤثر على حجم السفن العابرة والإيرادات المحققة. ومع ذلك، تمتلك الدولة خبرة كبيرة في إدارة مثل هذه التحديات والعمل على الحد من آثارها.

س: هل تتوقعون أن تلجأ الحكومة إلى تعديل الموازنة إذا استمرت الأزمة؟

ج: إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة وأدت إلى تغيرات جوهرية في أسعار النفط أو معدلات النمو أو الإيرادات، فقد يكون من الطبيعي إعادة النظر في بعض الفروض التي بُنيت عليها الموازنة. وهذا إجراء اقتصادي معتاد تلجأ إليه الحكومات في مختلف دول العالم عند وقوع أزمات استثنائية.

س: ما أبرز أدوات الدولة لمواجهة هذه التداعيات؟

ج: الدولة تمتلك مجموعة من الأدوات المهمة، منها:

* إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام.

* ترشيد النفقات غير الضرورية.

* دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات.

* تعزيز الاحتياطيات من السلع الاستراتيجية.

* تنويع مصادر النقد الأجنبي.

* الاستمرار في برامج الإصلاح الاقتصادي التي تعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات.

س: هل ترى أن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات مقارنة بالسنوات الماضية؟

ج: نعم، فالتجارب التي مرت بها مصر خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من جائحة كورونا مرورًا بالأزمة الروسية الأوكرانية، أكسبت مؤسسات الدولة خبرة كبيرة في إدارة الأزمات الاقتصادية. كما أن الإصلاحات الاقتصادية والمالية عززت من قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات الخارجية، رغم استمرار وجود تحديات تتطلب العمل المستمر.

س: ما السيناريو الأكثر خطورة الذي قد تواجهه الموازنة؟

ج: السيناريو الأكثر تعقيدًا يتمثل في استمرار الحرب لفترة طويلة، مع ارتفاع كبير في أسعار النفط، وتراجع حركة التجارة العالمية، وانخفاض إيرادات قناة السويس والسياحة في الوقت نفسه. عندها ستزداد الضغوط على المالية العامة، وهو ما يستدعي سياسات مالية أكثر مرونة وكفاءة.

س: في المقابل.. هل توجد فرص يمكن لمصر الاستفادة منها؟

ج: بالتأكيد، فكل أزمة تحمل في طياتها فرصًا. ويمكن لمصر أن تستفيد من موقعها الجغرافي، وتسريع جهود توطين الصناعة، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات الباحثة عن أسواق مستقرة نسبيًا، بالإضافة إلى تعزيز دورها كمركز إقليمي للطاقة والخدمات اللوجستية.

س: ما الرسالة التي توجهونها لصناع القرار؟

ج: الحفاظ على الانضباط المالي يجب أن يظل أولوية، مع توجيه الموارد إلى القطاعات الإنتاجية، وزيادة الإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار، لأن هذه القطاعات هي الضمان الحقيقي لتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات المستقبلية.

س: وما رسالتكم للمواطن المصري؟

ج: أقول للمواطن المصري إن الاقتصاد يمر بتحديات عالمية وليست محلية فقط. ومن المهم التعامل مع الأحداث بهدوء، وعدم الانسياق وراء الشائعات أو المبالغة في توقع الأسوأ. كما أن دعم المنتج المحلي، وترشيد الاستهلاك، وزيادة الإنتاج، تمثل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

وفى الختام نؤكد على أن “الموازنة العامة المصرية ليست بمعزل عن تداعيات الأزمات الدولية، لكنها أصبحت أكثر قدرة على استيعاب الصدمات بفضل الإصلاحات الاقتصادية والإدارة المالية الأكثر مرونة. ويبقى العامل الحاسم هو سرعة الاستجابة، وكفاءة إدارة الموارد، واستمرار دعم الإنتاج والاستثمار باعتبارهما الضمانة الحقيقية لتعزيز قوة الاقتصاد المصري في مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية.”

 

مقالات مقترحة

عرض الكل