لم يعد جذب استثمار أجنبي جديد هو المؤشر الوحيد على جاذبية الاقتصاد المصري، بل باتت توسعات الشركات العالمية القائمة تمثل أحد أهم المؤشرات على ثقة المستثمرين في السوق المصرية. فكل خط إنتاج جديد، وكل زيادة في الطاقة التصنيعية، تعني فرص عمل إضافية، وصادرات أكبر، وقيمة مضافة أعلى للاقتصاد الوطني، وهو ما يتوافق مع توجه الدولة لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير.
وخلال الفترة الأخيرة، برزت توجهات واضحة لدى عدد من الشركات العالمية العاملة في مصر للتوسع في الإنتاج المحلي، مستفيدة من موقع مصر الجغرافي، وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة، والبنية التحتية التي شهدت تطورًا كبيرًا، إلى جانب الحوافز التي تقدمها الدولة للمستثمرين.
ويمثل إعلان شركة بروكتر آند جامبل استمرار خططها للتوسع في التصنيع المحلي وزيادة صادراتها إلى أسواق الخليج والقارة الأفريقية نموذجًا لهذا الاتجاه، حيث أكدت الشركة أن مصر تعد إحدى أهم قواعدها الإنتاجية في المنطقة، وأنها تستهدف زيادة الاعتماد على التصنيع المحلي وتعزيز وجودها في الأسواق الإقليمية والأفريقية.
وأكد الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، خلال لقائه مسؤولي الشركة، أن الحكومة تعمل على توفير بيئة أعمال أكثر كفاءة وتنافسية، تقوم على استقرار السياسات الاقتصادية والتواصل المستمر مع المستثمرين، بما يمنح الشركات القدرة على وضع خطط توسعية طويلة الأجل.
وأشار الوزير إلى أن كل توسع صناعي جديد ينعكس بصورة مباشرة على زيادة الصادرات، وخلق فرص العمل، وتعميق التصنيع المحلي، مؤكدًا أن المستثمر القائم يعد أفضل سفير للترويج لمناخ الاستثمار المصري، وأن نجاح الشركات العاملة في مصر يمثل رسالة ثقة للمستثمرين حول العالم.
من سوق كبيرة إلى منصة للتصدير
وخلال السنوات الأخيرة تغيرت نظرة العديد من الشركات العالمية إلى السوق المصرية، فلم تعد مصر مجرد سوق استهلاكية كبيرة، وإنما أصبحت منصة إنتاج تخدم أسواقًا تمتد إلى أفريقيا والدول العربية وأوروبا، مستفيدة من شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تمنح المنتجات المصنعة في مصر مزايا تنافسية ونفاذًا إلى أسواق تضم مئات الملايين من المستهلكين.
كما أسهمت الاستثمارات الضخمة التي نفذتها الدولة في تطوير الموانئ، وشبكات الطرق، والمناطق الصناعية، والمراكز اللوجستية، في تقليل تكلفة النقل وزمن وصول المنتجات إلى الأسواق الخارجية، وهو ما عزز جاذبية مصر كمركز للتصنيع والتصدير.
الصادرات في صدارة الأولويات
وتستهدف وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية جذب استثمارات نوعية لا تقتصر على ضخ رؤوس الأموال، وإنما تركز على زيادة الإنتاج والتشغيل ونقل التكنولوجيا وتعميق الصناعة المحلية، مع منح أولوية للمشروعات القادرة على التصدير وتوفير النقد الأجنبي.
وفي هذا الإطار، أشادت شركة بروكتر آند جامبل بدور صندوق تنمية الصادرات، مؤكدة أن برامج الصندوق أسهمت في تعزيز تنافسية منتجاتها المصنعة في مصر، ودعم توسعها في الأسواق الأفريقية والإقليمية، بما يعكس أهمية برامج مساندة المصدرين في زيادة القدرة التنافسية للصناعة المصرية.
توسعات الشركات القائمة.. رسالة ثقة
ويرى خبراء الاقتصاد أن توسع الشركات العاملة بالفعل داخل الدولة يعد من أقوى مؤشرات نجاح مناخ الاستثمار، لأن هذه الشركات اتخذت قراراتها بعد سنوات من العمل داخل السوق، وأصبحت تمتلك رؤية واضحة بشأن فرص النمو والعائد على الاستثمار.
كما أن توسعات المستثمر القائم غالبًا ما تكون أسرع في التنفيذ وأكثر تأثيرًا في زيادة الطاقة الإنتاجية، مقارنة بجذب استثمارات جديدة تبدأ من الصفر، وهو ما يجعلها أحد المحركات الرئيسية لزيادة الصادرات وخلق الوظائف.
مصر والمنافسة الإقليمية
وفي ظل المنافسة الإقليمية على جذب الاستثمارات الصناعية، تمتلك مصر مجموعة من المزايا التي تعزز قدرتها على جذب الشركات متعددة الجنسيات، في مقدمتها الموقع الاستراتيجي، واتفاقيات التجارة الحرة، وتوافر العمالة، وتطور البنية التحتية، إلى جانب توجه الدولة نحو تحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
وتؤكد المؤشرات الحالية أن نجاح مصر في جذب المزيد من خطوط الإنتاج العالمية لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات الجديدة، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الاستثمارات إلى صادرات مستدامة، وصناعة أكثر تنافسية، وقيمة مضافة أعلى للاقتصاد الوطني.
ومع استمرار توسع الشركات العالمية العاملة في السوق المصرية، يتعزز رهان الدولة على أن تصبح مصر مركزًا إقليميًا للتصنيع والتصدير، بما يدعم النمو الاقتصادي، ويزيد حصيلة الصادرات، ويوفر المزيد من فرص العمل، ويعزز مكانة الصناعة المصرية في الأسواق الإقليمية والعالمية.





