داخل الأزقة القديمة بمدينة أخميم شرق محافظة سوهاج، لا تزال أصوات الأنوال الخشبية تشق سكون المكان، معلنة أن واحدة من أقدم الحرف المصرية ما زالت تقاوم الزمن،فكل ضربة على النول ليست مجرد خطوة في صناعة قطعة قماش، وإنما امتداد لتاريخ طويل بدأ منذ آلاف السنين، حين كانت أخميم واحدة من أشهر مدن صناعة النسيج في مصر القديمة، وظلت شهرتها تتوارثها الأجيال حتى ارتبط اسمها لسنوات طويلة بصناعة كسوة الكعبة المشرفة، التي كانت تنسج بخيوط من الإبداع والدقة قبل أن تشد الرحال إلى الأراضي المقدسة.
ورغم تغير ملامح الحياة ودخول الآلات الحديثة إلى عالم صناعة المنسوجات، فإن عددا من أبناء أخميم ما زالوا يتمسكون بالأنوال الخشبية القديمة، معتبرين أنها ليست مجرد وسيلة للعمل، بل جزء من هوية المدينة وتراثها الذي لا يقدر بثمن.
فداخل إحدى الورش، يجلس الحرفيون لساعات طويلة أمام النول، تتناغم حركة الأيدي مع حركة الأقدام في مشهد يبدو أقرب إلى عزف موسيقي،حيث يتحرك كل خيط في مكانه بدقة متناهية حتى تخرج في النهاية قطعة نسيج تحمل لمسة إنسانية لا تستطيع الماكينات تقليدها .
وتقول نهى الخطيب، أحد أبناء مالكي أقدم ورش النول ، إن النول بالنسبة لهم ليس مجرد آلة، بل رفيق عمر يقضوا معه عشرات السنوات.
وأضافت الخطيب ل«البورصجية »: «النول تاريخ كبير وطويل، والعمل عليه شرف لأي واحد يشتغل فيه. زمان كانت الورش مليانة صنايعية وشباب بيتعلموا، وكان الإقبال على المنتجات كبير جدا، لكن دلوقتي الوضع بقى مختلف، ومبقاش فيه حد عايز يتعلم، والجيل القديم بيخرج من المهنة من غير ما يلاقي حد يكمل مكانه».
وأوضحت أن صناعة النسيج اليدوي تمر بعدة مراحل دقيقة تبدأ باختيار نوع المنتج المطلوب، سواء كان شالا أو مفرشا أو ستارة أو قطعة قماش، ثم تحديد الألوان والمقاسات، وتجهيز الخيوط وتركيبها على النول، وهي مرحلة قد تستغرق ساعات طويلة، قبل أن تبدأ عملية النسج التي تعتمد بالكامل على مهارة الصانع وخبرته.
وتؤكد نهى الخطيب أن أي خطأ بسيط أثناء العمل قد يفسد المنتج بالكامل، لذلك تحتاج المهنة إلى تركيز شديد وصبر طويل، وهي صفات لا يكتسبها الحرفي إلا بعد سنوات من التعلم والممارسة.
أما محمد احمد، 63 عاما، أحد العاملين في النول فيصف النول بأنه مدرسة متكاملة، قائلا : «تعلم المهنة مش سهل، لأنها ليها أصول وقواعد، وإحنا بنشتغل بإيدينا ورجلينا في وقت واحد،كل حركة محسوبة، ولو فقدت تركيزك ممكن تضيع شغل ساعات،النول علمنا الصبر والدقة، وكان سبب رزق آلاف الأسر في أخميم».
ويضيف أن المنتجات اليدوية تتميز بجودة عالية وعمر افتراضي طويل، وهو ما يجعلها مختلفة عن المنتجات المصنعة آليا، الا أن ارتفاع تكلفة إنتاجها مقارنة بالمصانع الحديثة أدى إلى تراجع الإقبال عليها.
وفي أحد المنازل، يحتفظ مينا نور، بنوله الخشبي الذي يعمل عليه مع زوجته منذ أكثر من أربعين عاما، بعدما تحول جزء من المنزل إلى ورشة صغيرة لإنتاج المنسوجات اليدوية.
ويقول: «أنا وزوجتي قضينا عمرنا كله مع النول، لكن أولادي رفضوا يتعلموا المهنة، لأن دخلها بقى قليل، والناس بقت تدور على المنتج الأرخص حتى لو كان أقل جودة».
ويشير إلى أن كثيرا من أصحاب الأنوال أغلقوا ورشهم خلال السنوات الأخيرة بسبب ضعف حركة البيع، وارتفاع أسعار الخيوط، وعدم وجود منافذ تسويق كافية للمنتجات اليدوية.
ولا يختلف رأي سعد محمد ، إذ يؤكد أن المهنة أصبحت في مرحلة حرجة، موضحا أن عدد من يجيدون العمل على الأنوال اليدوية في محافظة سوهاج لا يتجاوز نحو 100 شخصا، معظمهم من كبار السن.
ويقول إن استمرار الوضع الحالي ينذر باختفاء هذه الحرفة التاريخية خلال سنوات قليلة،إذا لم يتم نقل خبراتها إلى الأجيال الجديدة.
وطالب بإطلاق برامج تدريب مجانية داخل المدارس ومراكز الشباب، وإنشاء مراكز متخصصة لتعليم الحرفة، إلى جانب توفير دعم للحرفيين ومساعدتهم في تسويق منتجاتهم داخل مصر وخارجها، باعتبارها منتجات تراثية تحمل قيمة ثقافية كبيرة.
ويرى عدد من العاملين في النول أن إنقاذ النسيج اليدوي في أخميم لا يتوقف عند تعليم الشباب فقط، بل يحتاج أيضا إلى إعادة إحياء ثقافة اقتناء المنتجات اليدوية، والتوسع في المعارض المحلية والدولية،وربط هذه الصناعة بحركة السياحة، حتى تتحول الورش القديمة الى مقصد للزائرين الراغبين في مشاهدة واحدة من أقدم الصناعات المصريه .









