لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي في نشرات الأخبار، بل تحول إلى صمام أمان لأسواق السلع العالمية التي بدأت تفقد توازنها واحدا تلو الآخر.
ففي تحذير هو الأكثر حدة منذ اندلاع الأزمة، رسم بنك “إتش إس بي سي” صورة قاتمة لمستقبل الإمدادات، مؤكدا أن استمرار الإغلاق شبه الكامل للمضيق قد يدفع أسواق النفط والمعادن والغذاء إلى “نقاط تحول حرجة”، حيث يصبح النقص حقيقياً والارتفاعات السعرية عنيفة وغير منتظمة.
نقطة اللاعودة
وحذر محللون في تقرير “إتش إس بي سي” من أنه كلما طال أمد إغلاق مضيق هرمز، تراجع المخزون بصورة أكبر وزادت احتمالات الوصول إلى نقاط تحوّل في أسواق بعض السلع.
وأضافوا أن تحديد التوقيت الدقيق لوصول الأسواق إلى هذه المرحلة يظل أمرا بالغ الصعوبة، لكن الاتجاه العام لا لبس فيه: كل يوم إغلاق إضافي يقرّب العالم من حافة لا يمكن التراجع عنها بسهولة.
ويأتي هذا التحذير فيما كان مضيق هرمز، في أوقات السلم، ينقل نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، مما يجعل تعطله بمثابة جلطة في شريان الطاقة الرئيسي للاقتصاد العالمي.
النفط: هدوء حذر يخفي عاصفة
رغم الضبابية، لم تصب أسواق النفط بالهلع الكامل بعد. فتداول خام برنت قرب 94 دولارا للبرميل اليوم بعد تراجع محدود، وهو مستوى يقل كثيرا عن الذروة التي تجاوزت 126 دولارا للبرميل خلال حرب إيران.
ويعود هذا الهدوء النسبي جزئيا إلى تكثيف الولايات المتحدة جهودها لتمديد الهدنة، مما قد يفضي إلى إعادة فتح الممر المائي ويمهد لإنهاء الصراع.
لكن “إتش إس بي سي” يحذر من أن هذا الهدوء خادع. فإذا ظل المضيق مغلقا، قد يهبط مخزون النفط إلى مستويات تشغيلية حرجة، مما يؤدي إلى ارتفاعات سعرية أكثر شدة وبوتيرة غير منتظمة، فضلا عن نقص حقيقي في الإمدادات لا يمكن تعويضه بمخزونات الطوارئ وحدها.
المعادن تشتعل.. ألمنيوم ونحاس عند القمم
ليست سوق النفط وحدها من يئن تحت وطأة الأزمة. ففي أسواق المعادن، سجل الألمنيوم أعلى مستوى له في أربع سنوات، متأثرا بالأضرار التي لحقت بسعة صهر الألمنيوم في الشرق الأوسط، وهي من أبرز العوامل الداعمة للأسعار في الفترة الأخيرة، إلى جانب قصة الطلب الهيكلي الإيجابية على المعدن الخفيف.
أما النحاس، الذي يعد مقياسا لصحة الاقتصاد العالمي، فقد بلغ 13976 دولارا للطن، مرتفعا بنحو 13% منذ بداية العام. ويعود هذا الصعود بالدرجة الأولى إلى قوة الطلب العالمي، خصوصاً مع تسارع الاستثمارات في البنى التحتية والتحول الطاقي. لكن اضطرابات الشرق الأوسط تضيف عاملاً إضافياً يغذي نار الأسعار.
ضغوط هائلة لا دورة صاعدة
ما يميز هذه الأزمة عن سابقاتها، بحسب محللي “إتش إس بي سي”، أنها ليست دورة سلع أساسية تقليدية. ويشرحون: “بدلا من وصفها بدورة هائلة، نطلق عليها ضغوطاً هائلة”. فالفرق جوهري: الدورات تقودها تقلبات الطلب، أما هذه الأزمة فمحركها الرئيسي هو اضطرابات الإمدادات المتفاقمة.
ويضيف البنك أن النظرة الإيجابية للسلع الأساسية لا تقتصر على عوامل الشرق الأوسط، إذ تدعمها قوى أخرى مثل ارتفاع الطلب على المعادن الأساسية، وعلى رأسها النحاس، إضافة إلى اقتراب حدوث ظاهرة “إل نينيو” المناخية التي قد تؤثر سلباً في إمدادات المحاصيل الزراعية، لتكتمل بذلك صورة الضغوط المتشابكة على جميع الجبهات.
يقف العالم اليوم عند منعطف لا يحتمل المزيد من الصدمات. فكل يوم يمر ومضيق هرمز مغلق هو يوم يستنزف فيه المخزون، ويرتفع فيه منسوب الخطر، وتقترب فيه الأسواق من “نقاط التحول الحرجة” التي حذر منها “إتش إس بي سي”.
وحده فتح المضيق يمكن أن يطفئ الفتيل المشتعل، لكن حتى ذلك الحين، تظل أسواق السلع الأساسية ترقص على حبل مشدود بين آمال الدبلوماسية ووقائع النقص المتصاعد.







