في سباق عالمي تتجاوز قيمته تريليونات الدولارات، لم تعد المنافسة بين الدول تقتصر على جذب الاستثمارات التقليدية، بل انتقلت إلى اقتناص الفرص داخل الاقتصاد الرقمي، الذي أصبح المحرك الأسرع نموًا للاستثمار والتوظيف والابتكار.
ومن هذا المنطلق، جاءت مشاركة مصر في منتدى القمة العالمية لمجتمع المعلومات (WSIS Forum 2026) بمدينة جنيف السويسرية، برئاسة المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لتتجاوز كونها مشاركة بروتوكولية، إلى خطوة استراتيجية عززت موقع القاهرة على خريطة الحوكمة الرقمية العالمية.
وخلال خمسة أيام من الاجتماعات واللقاءات الثنائية، نجحت مصر في تحقيق حزمة من المكاسب السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، تصدرتها رئاسة المنتدى، وتوقيع اتفاق تعاون مع رواندا في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وفتح آفاق جديدة للتعاون مع الاتحاد الدولي للاتصالات وعدد من المنظمات الدولية، بما يعزز فرص جذب الاستثمارات، وتوسيع صادرات الخدمات الرقمية، وترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي للتكنولوجيا في أفريقيا والشرق الأوسط.
وتأتي هذه التحركات في وقت تشير فيه تقديرات مؤسسة IDC إلى أن الإنفاق العالمي على التحول الرقمي سيتجاوز 4.4 تريليون دولار بحلول 2028، بينما يواصل الذكاء الاصطناعي قيادة موجة جديدة من الاستثمارات العالمية، وهو ما يرفع من أهمية امتلاك الدول النامية دورًا مؤثرًا في رسم سياسات الحوكمة الرقمية وليس مجرد تطبيقها.
المكسب الأول.. مصر على رأس أكبر منصة أممية للاقتصاد الرقمي
كان الحدث الأبرز في المنتدى هو تسلم مصر رئاسة WSIS Forum 2026 من جنوب أفريقيا، لتصبح القاهرة مسؤولة عن قيادة أعمال المنتدى، الذي يعد أكبر منصة دولية تجمع الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص لمناقشة مستقبل الاتصالات والتحول الرقمي. وتمثل هذه الرئاسة اعترافًا دوليًا بتطور التجربة المصرية في مجالات الحكومة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وبناء القدرات الرقمية، كما تمنح مصر فرصة لقيادة النقاش العالمي حول السياسات الرقمية خلال العام الجاري.
المكسب الثاني.. أول شراكة أفريقية في الذكاء الاصطناعي
شهد المنتدى توقيع مذكرة تفاهم بين مصر ورواندا لتعزيز التعاون في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وبناء القدرات الرقمية. وتركز الاتفاقية على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصحة والزراعة والخدمات الحكومية واللغات المحلية، إلى جانب تنسيق المواقف الأفريقية في ملفات حوكمة الذكاء الاصطناعي داخل المحافل الدولية.
وتعد الاتفاقية أول ثمرة عملية لمشاركة مصر في المنتدى، كما تعكس توجهًا نحو بناء تحالفات أفريقية في التكنولوجيا الرقمية، بما يعزز فرص الشركات المصرية العاملة في البرمجيات والخدمات الرقمية داخل الأسواق الأفريقية.
المكسب الثالث.. توسيع شبكة الشراكات الدولية
لم تتوقف المشاركة عند توقيع مذكرة التفاهم، بل عقد الوزير سلسلة لقاءات مع مسؤولي الاتحاد الدولي للاتصالات، وممثلي الأمم المتحدة، وعدد من الوزراء والمسؤولين الدوليين، لبحث التعاون في البنية التحتية الرقمية، وحوكمة الإنترنت، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وحماية الأطفال في الفضاء الرقمي، وبناء القدرات البشرية.
وتفتح هذه اللقاءات الباب أمام برامج تعاون فني وتمويل ومشروعات مشتركة خلال المرحلة المقبلة، خاصة في مجالات الأمن السيبراني والخدمات الحكومية الرقمية.
المكسب الرابع.. تسويق التجربة المصرية عالميًا
استغلت مصر رئاستها للمنتدى لاستعراض تجربتها في التحول الرقمي، والتي تضمنت رقمنة مئات الخدمات الحكومية، والتوسع في المدن الذكية، ومراكز البيانات، والبنية التحتية للاتصالات، بالإضافة إلى الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي.
ويمثل هذا الترويج عنصرًا مهمًا في جذب شركات التكنولوجيا العالمية، التي تبحث عن أسواق تمتلك بنية تحتية متطورة وكفاءات بشرية قادرة على تنفيذ المشروعات الرقمية.
المكسب الخامس.. دعم صادرات التعهيد
ناقش الوزير خلال المنتدى أهمية الاستثمار في الكوادر البشرية باعتبارها العنصر الأكثر تنافسية في الاقتصاد الرقمي، في ظل استمرار نمو صناعة التعهيد عالميًا.
وتراهن مصر على هذا القطاع باعتباره أحد أكبر مصادر العملة الأجنبية خلال السنوات المقبلة، خاصة مع توسع الشركات العالمية في إنشاء مراكز خدمات وتطوير برمجيات داخل السوق المصرية.
المكسب السادس.. دور أكبر في حوكمة الذكاء الاصطناعي
فرضت حوكمة الذكاء الاصطناعي نفسها كأحد الملفات الرئيسية على أجندة المنتدى، حيث أكدت مصر أهمية الاستخدام المسؤول والأخلاقي للتكنولوجيا، مع ضمان استفادة الدول النامية من الثورة الرقمية وعدم اتساع الفجوة التكنولوجية.
كما دعت القاهرة إلى تعزيز التعاون الدولي لوضع أطر تنظيمية تحقق التوازن بين الابتكار وحماية الحقوق، وهو ما يتماشى مع توجهات الأمم المتحدة والاتحاد الدولي للاتصالات.
المكسب السابع.. تعزيز المكانة الاستثمارية لمصر
ويرى خبراء أن رئاسة مصر للمنتدى تمثل رسالة ثقة للمستثمرين العالميين، خاصة مع استمرار توسع الدولة في مشروعات البنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي.
كما تمنح هذه الرئاسة الشركات المصرية فرصة أكبر للمشاركة في المبادرات الدولية، والدخول في شراكات مع شركات التكنولوجيا العالمية، وهو ما ينعكس على زيادة صادرات الخدمات الرقمية، وخلق فرص عمل جديدة للشباب.
وخلال كلماته واجتماعاته، ركز وزير الاتصالات على ثلاث رسائل رئيسية؛ الأولى أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة لتحقيق التنمية وليس تعميق الفجوة الرقمية، والثانية أن بناء القدرات البشرية يمثل الاستثمار الحقيقي في الاقتصاد الرقمي، والثالثة أن التعاون الدولي أصبح ضرورة لضمان حوكمة عادلة وشاملة للتكنولوجيا الحديثة.
أما المكسب الحقيقي من جنيف لا يتمثل فقط في رئاسة منتدى دولي أو توقيع مذكرة تفاهم، وإنما في انتقال مصر إلى موقع الشريك المؤثر في صياغة أجندة الاقتصاد الرقمي العالمي. وإذا نجحت وزارة الاتصالات في استثمار هذا الزخم خلال العام المقبل عبر جذب استثمارات جديدة، وتوسيع صادرات خدمات التعهيد، وتحويل الاتفاقيات إلى مشروعات فعلية، فإن رئاسة WSIS 2026 قد تصبح نقطة تحول جديدة في مسار صناعة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، التي تعد بالفعل من أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد المصري.


