لم تعد تداعيات الأزمات العالمية تقتصر على الأسواق الدولية فحسب، بل باتت تلقي بظلالها بشكل مباشر على القطاع الصناعي المصري، الذي يواجه تحديات متزايدة نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن والطاقة، وبينما تسعى الدولة إلى تعزيز التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، كشفت التطورات الدولية المتلاحقة مدى ارتباط الصناعة المصرية بالأسواق الخارجية، وما يترتب على ذلك من تعرضها للصدمات الاقتصادية والجيوسياسية.
ومع تزايد التوترات في عددٍ من المناطق الحيوية للتجارة العالمية، وعلى رأسها البحر الأحمر والخليج، عادت المخاوف بشأن تأثيرها على حركة الشحن وسلاسل الإمداد الدولية.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور عمرو السمدوني، سكرتير عام شعبة النقل الدولي واللوجستيات بغرفة القاهرة التجارية، أن أسعار الشحن لم تشهد زيادات كبيرة خلال الفترات الأخيرة، إلا أن القطاع ما يزال يتأثر بتطورات الأوضاع الإقليمية، ما يدفع شركات النقل والخدمات اللوجستية إلى متابعة المستجدات عن كثب تحسبًا لأي اضطرابات قد تؤثر على حركة التجارة والممرات البحرية الرئيسية.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند قطاع النقل، بل امتدت إلى الصناعات التي تعتمد على استيراد الخامات ومستلزمات الإنتاج. وأوضح المهندس بهاء ديمتري، نائب رئيس شعبة الأجهزة المنزلية بغرفة الصناعات الهندسية، أن فرض رسوم وقائية على بعض واردات الصاج والحديد تسبب في ضغوط إضافية على سلاسل التوريد، وأسهم في رفع تكلفة الإنتاج داخل عدد من القطاعات الصناعية، من بينها الأجهزة المنزلية والصناعات المغذية للسيارات.
ويعكس ذلك حجم الاعتماد على المدخلات المستوردة، حيث تتأثر المصانع بشكل مباشر بتقلبات الأسعار العالمية وسعر صرف الدولار.
وفي هذا السياق، أشار المهندس حسن مبروك، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية باتحاد الصناعات، إلى أن زيادة أسعار الخامات المستوردة دفعت أسعار الأجهزة المنزلية للارتفاع بنحو 5%، محذرًا من تأثير هذه الزيادات على القدرة التنافسية للمنتجات المصرية.
ويمثل ملف الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه الصناعة المصرية خلال الفترة الحالية، فقد أعلن الفريق مهندس كامل الوزير تطبيق زيادات جديدة في أسعار توريد الغاز للمصانع اعتبارًا من سبتمبر 2025، ضمن جهود إعادة هيكلة تكلفة الطاقة.
وتأتي هذه الزيادات بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود والنقل والخدمات اللوجستية، ما يزيد من الأعباء التشغيلية على المصانع.
ويؤكد الخبراء، أن اعتماد العديد من الصناعات على الخامات والمكونات المستوردة يزيد من تأثرها بالصدمات الخارجية. وأوضح الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، أن الأزمات العالمية الأخيرة أبرزت ضرورة تعميق التصنيع المحلي، مشيرًا إلى أن أي اضطراب في سلاسل التوريد ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج وأسعار السلع بالسوق المصرية.
وفي قطاع الصناعات المعدنية، حذر المهندس طارق الجيوشي، عضو مجلس إدارة غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات، من اتساع الفجوة بين الطلب والإنتاج المتاح من خام البليت، مؤكدًا أن ارتفاع أسعار الخامات نتيجة بعض الإجراءات الحمائية فرض ضغوطًا إضافية على المصانع، خاصة الصغيرة والمتوسطة التي تواجه تحديات تشغيلية وتمويلية متزايدة.
ورغم التحديات الراهنة، تراهن الحكومة على توطين الصناعة وتعزيز الإنتاج المحلي كخيار استراتيجي لمواجهة التقلبات الخارجية. إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توفير بيئة استثمارية داعمة، وتطوير البنية التحتية الصناعية، وتسهيل الحصول على التمويل ومستلزمات الإنتاج.
وفي ظل استمرار الاضطرابات العالمية، تبدو الحاجة ملحة لإعادة صياغة نموذج الصناعة المصرية بما يضمن تقليل الاعتماد على الواردات وبناء قاعدة إنتاجية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات والصدمات المستقبلية.
ويرى خبراء الصناعة، أن تعزيز التصنيع المحلي يتطلب استثمارات أكبر في التكنولوجيا والبنية التحتية، إلى جانب توفير التمويل واستقرار السياسات الاقتصادية.
وفي ظل استمرار الأزمات العالمية، باتت سلاسل الإمداد تكشف حجم تأثر الصناعة المصرية بالعوامل الخارجية، ما يبرز أهمية بناء قاعدة إنتاجية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية.
