الاقتصاد العالمي أمام رهان صعب بين مطرقة الحرب وسندان الركود

الاقتصاد العالمي أمام رهان صعب بين مطرقة الحرب وسندان الركود
مشاركة المقال:
حجم الخط:

يواجه الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث باتت الآفاق المستقبلية للنمو والازدهار مرهونة بمآلات التصعيد العسكري والسياسي في منطقة الشرق الأوسط.

وفي ظل تعثر مساعي التهدئة واحتواء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران عقب الضربات المتبادلة الأخيرة، يجد العالم نفسه أمام معضلة اقتصادية معقدة.

هذه المعضلة، جعلت منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD) ترفع منسوب تحذيراتها، مرجحة خفض توقعات النمو العالمي نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة واضطراب سلاسل التوريد الحيوية عبر مضيق هرمز.

فإما أن تنحسر الاضطرابات سريعا فينجو العالم بتباطؤ مؤلم لكنه محتمل، وإما أن تطول فتصبح الأزمة “واحدة من أعمق التباطؤات العالمية خارج فترات الركود الكبرى” خلال أربعة عقود.

السيناريو الأساسي: تباطؤ عالمي وارتفاع محدود في التضخم

في تقريرها الفصلي الصادر اليوم الأربعاء، وضعت المنظمة التي تتخذ من باريس مقرا لها سيناريوهين رئيسيين. الأول، وهو السيناريو الأساسي المحدود زمنيا، يفترض عودة صادرات الخليج من النفط والغاز إلى مستويات ما قبل الحرب في الربع الثالث من هذا العام.

وفي هذه الحالة، سينخفض النمو العالمي إلى 2.8% في 2026، متراجعا من 3.4% في 2025، على أن يعاود الصعود إلى 3.1% في 2027. أما التضخم العالمي فسيبلغ 4.0% هذا العام مقارنة بـ 3.4% في 2025، وهو مستوى أعلى مما كان مأمولاً لكنه لا يرقى إلى كابوس 2022.

ضمن هذا السيناريو، يتباطأ نمو الولايات المتحدة إلى 2.0% في 2026 من 2.1% العام الماضي، على أن يهبط إلى 1.8% في 2027. أما منطقة اليورو، الأكثر اعتمادا على واردات الطاقة، فستكون الأكثر تضررا بين الاقتصادات المتقدمة. 

إذ يهوي نمو ناتجها المحلي الإجمالي إلى 0.8% فقط هذا العام بعدما كان 1.4% في 2025. وبريطانيا، التي تعاني أصلا من ضعف النمو، لن تتجاوز نسبة النمو فيها 0.9% هذا العام، لكنها ستواصل مع أمريكا تسجيل أعلى معدلات التضخم بين مجموعة السبع عند 3.7%.

أما البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها الاحتياطي الفدرالي وبنك إنجلترا، فستبقي على معدلات الفائدة دون تغيير، وفق تقديرات المنظمة، طالما بقيت توقعات التضخم تحت السيطرة ولم تنتقل صدمة الطاقة إلى بقية قطاعات الاقتصاد.

السيناريو الأسوأ: ركود عالمي يلوح في الأفق

لكن الصورة تتحول إلى “سيناريو مظلم” بحسب وصف المنظمة، إذا امتدت الحرب وما يرافقها من اضطرابات حتى النصف الثاني من 2027. حينها، لن يكون النمو العالمي 2.8%، بل سيتدحرج إلى 2.1% فقط هذا العام وإلى 1.8% في العام المقبل.

وتقول المنظمة إن هذه المستويات “شديدة الانخفاض” ولم تُسجل إلا في فترات استثنائية كالأزمة المالية العالمية 2009 وجائحة كورونا.

التضخم في هذا السيناريو سيضيف 0.4 نقطة مئوية هذا العام و1.3 نقطة مئوية في 2027، مع ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 50% أعلى من المستويات المتوقعة حالياً في أسواق العقود الآجلة.

وسينجم عن ذلك نقص حاد في منتجات الطاقة والمدخلات الزراعية والصناعية التي تنتجها اقتصادات الخليج، مما يهدد بترك آثار دائمة على الناتج المحتمل للاقتصاد العالمي.

ويقول ستيفانو سكاربيتا، كبير الاقتصاديين في المنظمة: “الصراع في الشرق الأوسط أصبح القوة الأساسية التي تشكل آفاق الاقتصاد العالمي. كلما طالت فترة الاضطرابات، زادت التكاليف الاقتصادية والاجتماعية”.

ويحذر من أن انخفاض الإنفاق الاستثماري سيؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، في وقت ستكون فيه الدول النامية الأكثر عرضة للمخاطر بسبب استهلاكها المرتفع للطاقة والغذاء في المنازل.

مأزق السياسات: بين التضخم والركود

تواجه الحكومات والبنوك المركزية معضلة خانقة. ففي السيناريو الممتد، قد تضطر البنوك الكبرى إلى رفع معدلات الفائدة بما يتراوح بين 50 و75 نقطة أساس لمنع انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى بقية الاقتصاد. لكنها قد تجد نفسها مضطرة لاحقاً، في 2027، إلى خفضها مجدداً إذا اشتد التباطؤ. إنه مأزق بين تشديد يخنق النمو، وتيسير يغذي التضخم.

ويشرح سكاربيتا هذا المأزق بقوله إن البنوك المركزية يمكنها تجاهل ارتفاع الأسعار الناتج عن صدمة عرض ما دامت توقعات التضخم مستقرة وآثار الجولة الثانية محدودة. لكن التدخل قد يصبح ضرورياً إذا اتسعت ضغوط الأسعار أو ضعف النمو بدرجة كبيرة.

أما الحكومات، التي ستتحمل العبء الأكبر عبر السياسة المالية، فتملك مساحة محدودة للتدخل بسبب ارتفاع مستويات الدين العام. وتحذر المنظمة من أن الدعم الواسع للطاقة قد يشجع الاستهلاك في وقت تعاني فيه الأسواق أصلاً من نقص الإمدادات.

كما أن ارتفاع معدلات الفائدة سيزيد الضغط على المالية العامة، خصوصا في الاقتصادات الأضعف، وسيحد من قدرة الحكومات على اتخاذ إجراءات لدعم النشاط الاقتصادي.

وإذا حدث تشديد حاد في أوضاع الأسواق المالية، تقول المنظمة إن بعض البنوك المركزية قد تضطر إلى إعادة النظر في خططها لخفض حيازاتها من السندات السيادية، بل وربما تعود إلى سياسات التيسير الكمي أو أدوات تمويل طويلة الأجل على غرار ما حدث في أزمات سابقة.

المعطيات الراهنة تثبت أن مصير الاقتصاد العالمي بات معلقا بمآلات الصراع في الشرق الأوسط، فلم يعد الأمر مقتصرا على توترات جيوسياسية إقليمية، بل تحول إلى القوة الأساسية التي تشكل الملامح المالية والاقتصادية الدولية.

مقالات مقترحة

عرض الكل