لم يعد الحديث عن تراجع هيمنة الدولار الأمريكي مقتصرًا على توقعات المحللين أو النقاشات الأكاديمية، بل بدأ ينعكس تدريجيًا في قرارات البنوك المركزية حول العالم.
ففي تحول وُصف بأنه الأول من نوعه منذ بدء قياس توجهات المؤسسات النقدية العالمية، أظهرت أحدث الاستطلاعات أن عدد البنوك المركزية التي تعتزم خفض حيازاتها من الدولار خلال السنوات المقبلة أصبح أكبر من عدد تلك التي تخطط لزيادتها، في مؤشر يعكس تغيرًا لافتًا في نظرة صناع السياسة النقدية إلى مستقبل النظام المالي العالمي.
يأتي هذا التحول في وقت تتشابك فيه التوترات الجيوسياسية مع المتغيرات الاقتصادية، لتدفع البنوك المركزية إلى إعادة تقييم مكونات احتياطياتها، والبحث عن بدائل تمنحها قدرًا أكبر من التنويع والمرونة في مواجهة الأزمات، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي الكامل عن الدولار أو انتهاء دوره بوصفه العملة الاحتياطية الأولى في العالم.
وكشف استطلاع أجراه المنتدى الرسمي للمؤسسات النقدية والمالية (OMFIF)، وشمل 90 بنكًا مركزيًا وصندوقًا سياديًا وصندوق تقاعد حكوميًا يديرون مجتمعين أصولًا تقترب من 10 تريليونات دولار، أن المؤسسات الرسمية أصبحت أكثر ميلًا إلى تقليص مخصصاتها من الدولار خلال العقد المقبل، في تحول غير مسبوق، يعكس تصاعد المخاوف من المخاطر السياسية والجيوسياسية المرتبطة بالعملة الأمريكية، إلى جانب اقتناع متزايد بأن النظام النقدي العالمي يتجه تدريجيًا نحو نموذج أكثر تنوعًا، تتراجع فيه هيمنة عملة واحدة لصالح توزيع أوسع للاحتياطيات بين عدة عملات وأصول.
ولم تقتصر هذه القناعة على عدد محدود من المؤسسات، إذ أظهرت نتائج الاستطلاع أن 79% من البنوك المركزية و60% من الصناديق العامة ترى أن العالم يتجه نحو نظام نقدي متعدد الأقطاب، بدلاً من الاعتماد المفرط على الدولار الأمريكي.
ورغم استمرار الدولار في الاستفادة من ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية وتدفقات المستثمرين الباحثين عن الملاذات الآمنة، إضافة إلى تحقيقه مكاسب منذ بداية العام، فإن ذلك لم يمنع المؤسسات النقدية من إعادة النظر في استراتيجياتها طويلة الأجل، وهي استراتيجيات لا تستند إلى تحركات الأسواق اليومية بقدر ما ترتبط بإدارة المخاطر والمحافظة على استقرار الاحتياطيات في أوقات الأزمات.
وجاءت هذه التحولات بالتزامن مع تطورات سياسية واقتصادية عززت النقاش العالمي حول مستقبل الدولار، خاصة بعد القرارات التجارية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية خلال العام الماضي، عندما أعلن الرئيس الأمريكي فرض رسوم جمركية تراوحت بين 10% و49% على واردات معظم الشركاء التجاريين، معتبرًا أن مستويات الرسوم السابقة كانت تضر بالاقتصاد الأمريكي، وأطلق على ذلك اليوم اسم “يوم التحرير”.
غير أن رد فعل الأسواق جاء مغايرًا للتوقعات؛ إذ هبط مؤشر “داو جونز” الصناعي بأكثر من 1600 نقطة، وتراجعت أسواق الأسهم العالمية بصورة حادة، مع تنامي مخاوف المستثمرين من اندلاع حرب تجارية واسعة قد تقود الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من التباطؤ.
وامتدت التداعيات إلى سوق السندات الأمريكية، حيث تراجع الإقبال عليها، بالتزامن مع انخفاض الطلب على الدولار وارتفاع تكلفة الاقتراض، وهو ما اعتبره مراقبون انعكاسًا لتراجع الثقة في الأصول الأمريكية، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في مستويات الدين العام.
ويرى خبراء ماليون أن ضعف الدولار قد يخدم هدفًا تسعى إليه الإدارة الأمريكية، يتمثل في تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية عبر خفض قيمة العملة، إلا أن هذا المسار يحمل في المقابل تكلفة تتمثل في تراجع الثقة الدولية بالدولار، وهي الثقة التي ظلت لعقود أحد أهم مصادر قوته.
بدائل محتملة
وفي هذا السياق، يرى الخبراء أن تراجع الدولار أمام عملات رئيسية، وعلى رأسها اليورو، لا يعكس مجرد تغير في أسعار الصرف، بل يبعث برسائل تتعلق بنظرة المستثمرين إلى متانة الاقتصاد الأمريكي واستقرار سياساته.
وصحيح أن المؤشرات الصادرة عن البنوك المركزية والمؤسسات الدولية تعكس ملامح مرحلة جديدة في النظام النقدي العالمي، عنوانها الرئيسي تنويع الاحتياطيات أكثر من استبدال عملة بأخرى؛ لكن نتائج استطلاع المنتدى الرسمي للمؤسسات النقدية والمالية في الوقت نفسه لا تعكس ظهور عملة قادرة على الحلول محله بصورة كاملة.
فالمؤسسات النقدية المشاركة في الاستطلاع ترى أن المرحلة المقبلة ستتسم بتوزيع أكبر للاحتياطيات بين أكثر من عملة، بدلاً من انتقال الهيمنة من الدولار إلى منافس واحد.
وفي هذا الإطار، أظهر الاستطلاع تنامي الاهتمام باليورو واليوان الصيني والجنيه الإسترليني، إلى جانب الكرونة النرويجية والدولار النيوزيلندي، باعتبارها عملات مرشحة للحصول على حصة أكبر داخل المحافظ الاحتياطية.
ورغم استمرار التحديات التي تحد من توسع استخدام بعض هذه العملات، فإن المشاركين في الاستطلاع اعتبروا اليوان الصيني أداة مهمة لتنويع الاحتياطيات، حتى وإن لم يكن مرشحًا ليصبح بديلًا مباشرًا للدولار خلال المستقبل القريب.
كما يرى الخبراء أن اليورو يمتلك مقومات تؤهله لتعزيز حضوره في الاحتياطيات الدولية، مستندًا إلى الاستقلالية القانونية والمؤسسية التي يتمتع بها البنك المركزي الأوروبي، وهو ما يمنحه قدرًا من الثقة لدى المستثمرين والمؤسسات الرسمية.
الملاذ الآمن
لكن اللافت أن أكبر المستفيدين من هذا التحول لم يكن عملة منافسة للدولار، وإنما الذهب، الذي عاد ليتصدر أولويات البنوك المركزية باعتباره الأصل الأكثر قدرة على توفير الحماية في أوقات الاضطرابات، بعيدًا عن المخاطر المرتبطة بالعملات الأجنبية أو الأصول المقومة بها.
وبينما تتسارع خطوات العالم نحو نظام نقدي أكثر تعددية، يواصل الذهب استعادة مكانته التاريخية داخل خزائن البنوك المركزية، حتى وإن ظلت أسعاره رهينة لتوازنات السياسة النقدية العالمية، إذ تؤكد البيانات الصادرة عن مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية تمتلك حاليًا أكثر من 36 ألف طن من الذهب، في وقت سجلت فيه مشترياتها من المعدن الأصفر مستويات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.
وفقًا للمجلس، بلغ متوسط صافي مشتريات البنوك المركزية من الذهب نحو ألف طن سنويًا على مدى السنوات الأربع الماضية، وهو ما يعادل قرابة ضعف متوسط المشتريات المسجل خلال العقد السابق، في مؤشر يعكس تحولًا استراتيجيًا في إدارة الاحتياطيات الرسمية، وليس مجرد استجابة مؤقتة لتقلبات الأسواق.
ويربط مجلس الذهب العالمي هذا الاتجاه بتصاعد التوترات الجيوسياسية، واستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي، إلى جانب تنامي اهتمام الدول بتقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي، عبر تنويع مكونات احتياطياتها الرسمية.
وتعزز نتائج استطلاع أجراه المجلس هذه المؤشرات، إذ أبدى 89% من مديري احتياطيات النقد الأجنبي قناعتهم بأن حيازات الذهب لدى البنوك المركزية العالمية ستواصل الارتفاع خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، فيما أكد 45% منهم أنهم يعتزمون زيادة احتياطياتهم من المعدن النفيس بالفعل خلال العام المقبل.
كما كشف الاستطلاع عن تحول آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تجاوز الذهب سندات الحكومة الأمريكية ليصبح أحد أكثر الأصول الاحتياطية تفضيلًا لدى البنوك المركزية، بينما توقع 74% من المشاركين انخفاض حصة الدولار الأمريكي في احتياطيات النقد الأجنبي العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة.
ويشير خبراء مجلس الذهب العالمي إلى أن هذا التوجه برز بصورة واضحة داخل عدد من الاقتصادات الناشئة، وفي مقدمتها الصين والهند وتركيا وروسيا، التي عملت خلال السنوات الماضية على زيادة حيازاتها من الذهب، في إطار استراتيجية تستهدف تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار.
ويضيف الخبراء أن الذهب يتمتع بميزة لا تتوافر في كثير من الأصول الاحتياطية الأخرى، إذ إنه أقل تعرضًا للعقوبات المالية الدولية، كما لا يرتبط بالتزامات دولة بعينها، وهو ما يعزز جاذبيته لدى البنوك المركزية في فترات التوترات السياسية والاقتصادية.
ولم يقتصر الأمر على زيادة المشتريات، بل امتد أيضًا إلى إعادة النظر في أماكن الاحتفاظ بالذهب، حيث اتجه عدد من البنوك المركزية إلى نقل جزء من احتياطياته إلى داخل أراضيها، أو تنويع مواقع التخزين في الخارج، مع احتفاظ بنك إنجلترا بمكانته كأحد أهم مراكز حفظ الذهب عالميًا.
ويرى مجلس الذهب العالمي أن هذا السلوك يعكس ارتفاع مستوى الحذر لدى السلطات النقدية، في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد المخاطر الجيوسياسية، كما يشير إلى تراجع الثقة في الاعتماد الكامل على النظام المالي العالمي بصورته الحالية.
تذبذب الذهب!
غير أن هذه التحولات لا تلغي حقيقة أخرى تفرضها الأسواق، وهي أن الذهب، رغم الطلب القياسي من البنوك المركزية، لا يزال يتحرك في نطاق تحدده إلى حد كبير قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي واتجاهات أسعار الفائدة.
ورغم الزيادة القياسية في الطلب الرسمي على الذهب، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن أسعاره تتحرك في اتجاه صاعد بصورة مستمرة، إذ تبقى السوق خاضعة لمجموعة واسعة من العوامل، في مقدمتها السياسة النقدية الأمريكية، ومستويات التضخم، وأسعار الفائدة، إضافة إلى تطورات الأوضاع الجيوسياسية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تذبذب الذهب قرب مستوى 4000 دولار للأوقية، مع ترقب المستثمرين تطورات المشهد في الشرق الأوسط، في ظل الإشارات المتباينة الصادرة عن الولايات المتحدة وإيران بشأن استئناف المحادثات، واستمرار الخلافات المتعلقة بمستقبل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة العالمية.
وفي الوقت نفسه، تراقب الأسواق عن كثب مسار السياسة النقدية الأمريكية، بعدما عززت التطورات الأخيرة التوقعات باستمرار تشدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي في مواجهة الضغوط التضخمية، وهو ما أعاد رهانات الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، بل وفتح الباب أمام احتمالات رفعها إذا اقتضت الظروف الاقتصادية ذلك.
ويمثل هذا التوجه أحد أبرز العوامل الضاغطة على الذهب، الذي لا يدر عائدًا لحائزيه، ما يجعله أقل جاذبية مقارنة بالأصول ذات العائد عندما ترتفع أسعار الفائدة، حتى وإن ظل محتفظًا بدوره التقليدي كملاذ آمن في أوقات الأزمات.
وفي هذا السياق، يرى رئيس العمليات في شركة “سبائك“ أن الطلب القوي من البنوك المركزية، رغم أهميته، لا يكفي وحده لإعادة الذهب إلى مستوياته القياسية، مشيرًا إلى أن الأسواق أصبحت تنظر بصورة أكبر إلى اتجاهات السياسة النقدية الأمريكية بوصفها العامل الأكثر تأثيرًا في حركة المعدن النفيس خلال المرحلة الحالية.
ورجح أن يشهد الذهب سيناريو هبوط قد يدفعه إلى مستوى 3890 دولارًا للأوقية، موضحًا أن تحول مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى موقف أكثر تشددًا في مواجهة التضخم، بعد الاجتماع الأخير وتصريحات عدد من مسؤوليه، دفع الأسواق إلى إعادة تسعير احتمالات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة، وهو ما انعكس في صورة ضغوط على أسعار الذهب.
وأكد أن مشتريات البنوك المركزية تختلف في طبيعتها عن مشتريات المستثمرين، فهي لا تستهدف تحقيق مكاسب رأسمالية سريعة أو الاستفادة من تقلبات الأسعار، وإنما تمثل قرارات استراتيجية طويلة الأجل تهدف إلى تعزيز قوة الاحتياطيات الرسمية وتنويعها، وهو ما يعني أنها لا تستطيع، بمفردها، دفع الأسعار إلى تسجيل مستويات قياسية جديدة إذا كانت العوامل النقدية تسير في الاتجاه المعاكس.
وأشار إلى أن الذهب أثبت خلال الأزمات الأخيرة كفاءته كأداة لدعم العملات المحلية، خاصة في الاقتصادات الناشئة، وهو ما يفسر استمرار البنوك المركزية في زيادة حيازاتها منه، حتى في الفترات التي تشهد فيها الأسعار موجات من التراجع أو التقلب.
ولفت كذلك إلى أن بعض الدول قد تلجأ، في ظروف استثنائية، إلى استخدام احتياطياتها الذهبية لدعم استقرار عملاتها المحلية، مستشهدًا بتركيا التي باعت ما بين 8 و10 أطنان من الذهب في مرحلة سابقة للمساهمة في دعم عملتها بعد تعرضها لضغوط أمام الدولار، في تأكيد على أن إدارة الاحتياطيات تظل مرتبطة بالظروف الاقتصادية لكل دولة، ولا تسير دائمًا في اتجاه زيادة المشتريات.
توجهات بديلة
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تقتصر فيه مراجعة البنوك المركزية لاستراتيجياتها على إعادة توزيع الاحتياطيات بين العملات والأصول المختلفة، بل تمتد أيضًا إلى تطوير أدوات إدارة تلك الاحتياطيات. فقد أظهر استطلاع المنتدى الرسمي للمؤسسات النقدية والمالية أن أكثر من ثلثي البنوك المركزية يخططون لتوسيع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي خلال الفترة المقبلة، لا سيما في تحليل البيانات والعمليات التشغيلية والإدارية.
وبيّن الاستطلاع وجود فجوة واضحة بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة في هذا المجال، إذ تستخدم 89% من البنوك المركزية في الدول المتقدمة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مقابل 44% فقط في الاقتصادات الناشئة، فيما لم تعتبر أي مؤسسة نقدية في الاقتصادات المتقدمة أن مستوى الاستخدام الحالي كافٍ، وهو ما يعكس اتجاهاً متسارعاً نحو توظيف التقنيات الحديثة في إدارة الأصول والاحتياطيات.
كما كشفت نتائج الاستطلاع عن تغير موازٍ في توجهات الصناديق السيادية وصناديق التقاعد الحكومية، حيث ارتفعت نسبة المؤسسات التي تخطط لزيادة استثماراتها في الأسواق الناشئة إلى 38%، مقارنة بـ27% في العام السابق، بينما تراجعت نسبة المؤسسات الراغبة في زيادة استثماراتها في الاقتصادات المتقدمة إلى 25%، مقابل 47% قبل عام، في حين واصلت الأصول الحقيقية، مثل البنية التحتية والعقارات، تصدر أولويات الاستثمار خلال العامين المقبلين.
ورغم هذه التحولات، لا يزال الاقتصادان الأمريكي والصيني يحتفظان بجاذبيتهما لدى المستثمرين الرسميين، مدعومين بالدور المتنامي لكليهما في قيادة الطفرة العالمية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يشير إلى أن إعادة تشكيل الاحتياطيات العالمية لا تعني التخلي عن الاقتصادات الكبرى، بقدر ما تعكس رغبة في توزيع المخاطر على نطاق أوسع.




