في سياق دبلوماسي يعكس تصاعد التحركات المصرية على الساحة الإقليمية والدولية، جاءت المباحثات التي أجراها الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” مع نظيره الفنلندي “ألكسندر ستوب” لتؤكد تمسك القاهرة بدورها المحوري في دعم الاستقرار الإقليمي، في ظل بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها أزمات الشرق الأوسط الممتدة من غزة والسودان ولبنان وليبيا، وصولاً إلى تطورات الملف الإيراني والمفاوضات المتوترة بين طهران وواشنطن.
وفي إطار الزيارة الرسمية التي يقوم بها رئيس جمهورية فنلندا، إلى مصر ، عقد الرئيس “السيسي”، اليوم الثلاثاء، مؤتمراً صحفياً مشتركاً استعرض خلاله نتائج المباحثات الثنائية بين الجانبين، والتي تناولت عدداً من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وشدد الرئيس “السيسي” على رفض أي اعتداءات تمس الدول العربية، وعلى ضرورة تفعيل المسارات السياسية والدبلوماسية واحتواء التصعيد، مع التأكيد على أن الأمن العربي، بما فيه أمن الخليج، جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، في وقت تتسع فيه تداعيات الصراعات الإقليمية لتطال الأمن والاستقرار العالميين ومصالح الطاقة والتجارة الدولية.
وقال الرئيس “السيسي”، خلال المؤتمر، إن المباحثات شملت بشكل خاص تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، التي تشهد أحداثاً متسارعة امتدت تداعياتها إلى خارج حدود الإقليم، مشدداً على أهمية استمرار التنسيق بين مختلف الشركاء الدوليين من أجل دعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
وأكد الرئيس المصري في هذا السياق رفض مصر الكامل وإدانتها لأي اعتداءات غير مبررة تستهدف دول الخليج العربي وسائر الدول العربية، مجدداً تأكيد دعم مصر الكامل لأمن الدول العربية الشقيقة باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
وأوضح “السيسي” أنه أطلع نظيره الفنلندي على الجهود التي تبذلها مصر، ولا تزال مستمرة، بهدف تحقيق التهدئة ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من التصعيد، في ظل ما تشهده من توترات تؤثر بشكل مباشر على مسارات التجارة العالمية، وما يترتب عليها من انعكاسات على أمن الطاقة والغذاء وحركة الملاحة الدولية.
وفي هذا الإطار، رحّب الرئيس المصري بالهدنة القائمة، “في إشارة إلى وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى”، معتبراً إياها تطوراً إيجابياً نحو احتواء التصعيد وتهيئة الظروف المناسبة لإطلاق مسار سياسي ودبلوماسي فاعل، مؤكداً ضرورة استثمار هذه الفرصة لدفع جهود الحلول السلمية وتجنب اتساع نطاق الصراع.
كما تطرق الجانبان إلى القضية الفلسطينية، حيث شدد الرئيس “السيسي” على ضرورة عدم صرف الانتباه عن الأوضاع الإنسانية المتدهورة في قطاع غزة والضفة الغربية، في ظل استمرار معاناة الشعب الفلسطيني، مؤكداً أهمية تكثيف الجهود الدولية لضمان الالتزام بوقف إطلاق النار وتنفيذ بنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لوقف الحرب في غزة.
واستعرض الرئيس المصري الجهود التي تبذلها مصر لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، مؤكداً في الوقت ذاته ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين أو فرض وقائع على الأرض تتعارض مع حل الدولتين، باعتباره الأساس المتفق عليه دولياً لتحقيق تسوية عادلة وشاملة، عبر إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وفيما يتعلق بباقي الملفات الإقليمية، أشار “السيسي” إلى مناقشة تطورات الأوضاع في لبنان وليبيا، إضافة إلى الجهود المصرية الرامية إلى دعم التوصل إلى وقف إطلاق النار في السودان والتخفيف من حدة الأزمة الإنسانية هناك، بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مؤكداً ثوابت الموقف المصري القائم على دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض أي محاولات لتقسيمه أو إنشاء كيانات موازية، باعتبار ذلك مساساً مباشراً بالأمن القومي المصري.
وفي سياق متصل، كان الرئيس “السيسي” قد بحث، أمس الإثنين، مع “مسعد بولس”، كبير مستشاري رئيس الولايات المتحدة الأمريكية للشؤون العربية والأفريقية، مستجدات الأزمة في السودان، حيث تم التأكيد على ضرورة تكثيف الجهود الدولية لإنهاء الحرب ووقف المعاناة الإنسانية، مع ترحيب مصر بتعهدات المجتمع الدولي خلال مؤتمر برلين بتوفير نحو 1.5 مليار يورو لدعم الاحتياجات الإنسانية.
وأكد الرئيس المصري خلال اللقاء على رؤية مصر للأزمة السودانية القائمة على احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، ورفض التدخلات الخارجية ومحاولات تقويض استقراره، مشدداً على أهمية تجنب الفراغ السياسي، ومشيراً إلى الدور النشط الذي تضطلع به القاهرة ضمن الآلية الرباعية لدفع مسار التسوية السياسية.
كما تناولت المباحثات مستجدات الوضع في لبنان، حيث أشاد الرئيس “السيسي” بالجهود التي بُذلت للتوصل إلى وقف إطلاق النار هناك، إلى جانب مناقشة عدد من القضايا الإقليمية الأخرى، من بينها ترحيب مصر بالتفاهمات الأخيرة في منطقة البحيرات العظمى بشأن توسيع آليات مراقبة وقف إطلاق النار.
وأكد الرئيس المصري خلال اللقاء أيضاً أن أمن مصر المائي يمثل قضية وجودية وأولوية قصوى، مشدداً على أن الدولة لن تتهاون في حماية حقوقها المائية، في وقت أكد فيه الجانبان استمرار توافق الرؤى المصرية الأمريكية بشأن أهمية خفض التصعيد ودعم الحلول السياسية للأزمات الإقليمية.
وفي ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، يأتي الدور المصري في صدارة الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى احتواء التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، عبر تحركات دبلوماسية نشطة واتصالات مستمرة مع مختلف الأطراف، بهدف تثبيت التهدئة ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من التصعيد.
ويستمر هذا الدور في دعم مسارات الحلول السياسية في ملفات غزة والسودان وليبيا ولبنان، إلى جانب متابعة تداعيات التوتر بين إيران والولايات المتحدة، بما يعكس نهجاً مصرياً ثابتاً يقوم على خفض التصعيد وتغليب الحوار وحماية استقرار المنطقة وأمنها.
اقرأ أيضا: التفاوض في مواجهة تصعيد قوات الاحتلال.. الرئيس اللبناني: التفاوض «حرب بلا دماء»







