رياح الشرق الأوسط تشعل فاتورة الصناعة الأوروبية.. تباطؤ حاد في منطقة اليورو وانكماش مفاجئ بفرنسا وألمانيا

رياح الشرق الأوسط تشعل فاتورة الصناعة الأوروبية.. تباطؤ حاد في منطقة اليورو وانكماش مفاجئ بفرنسا وألمانيا
مشاركة المقال:
حجم الخط:

لم يمض سوى شهر واحد فقط على أفضل أداء لقطاع التصنيع في منطقة اليورو منذ أربع سنوات، حتى انقلب المشهد رأسا على عقب. ففي مايو 2026، تحول الزخم الصناعي الذي دعمه تسابق المستهلكين على الشراء إلى حالة من الترقب الحذر، بينما تسللت شظايا الحرب في الشرق الأوسط إلى قلب المصانع الأوروبية في صورة فواتير طاقة متضخمة وحاويات متأخرة وسلاسل توريد ممزقة.

ما كشفت عنه أرقام “ستاندرد آند بورز جلوبال” ليس مجرد تباطؤ عابر، بل إشارة إلى أن القارة العجوز دخلت مرحلة أكثر تعقيدا: تضخم يعاود الارتفاع من بوابة التكاليف، ونمو يتراجع من بوابة الطلب، في معادلة تضع صانعي السياسات أمام اختبار صعب لا يحتمل أخطاء الحسابات القديمة.

المؤشر يفقد بريقه.. لكنه لا ينهار

أظهر المسح الصادر اليوم الاثنين أن مؤشر مديري المشتريات التصنيعي في منطقة اليورو تراجع إلى 51.6 نقطة خلال مايو، نزولا من أعلى مستوى له في أربع سنوات تقريبا والذي سجله في أبريل عند 52.2 نقطة. ومع أن القراءة تجاوزت التقدير الأولي البالغ 51.4 نقطة، إلا أنها تكشف عن قطاع يفقد زخمه بوضوح.

ويعلق كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في “ستاندرد آند بورز جلوبال ماركتس إنتلجنت”، بالقول: “على الرغم من أن المصنعين سجلوا توسعا للشهر الرابع على التوالي، فإن القطاع يظهر علامات معاناة تحت وطأة ارتفاع الأسعار واضطرابات سلاسل التوريد الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط”.

الطلب يصاب بالركود بعد الشراء

ظل الإنتاج الصناعي في حالة توسع، لكنه سجل أبطأ وتيرة منذ يناير، مع انخفاض مؤشر الإنتاج إلى 51.3 نقطة من 52.3 نقطة في أبريل. غير أن الخطر الأكبر ظهر في دفاتر الطلبات التي شهدت ركودا شبه تام في مايو، بعد أن كان الطلب في أبريل ينمو بأسرع معدل له في أربع سنوات نتيجة اندفاع المستهلكين لتعجيل مشترياتهم.

وجاء التراجع الأكبر من طلبات التصدير التي انزلقت إلى المنطقة السلبية، مما زاد من الضغط على الطلب الإجمالي. وبينما كانت الشركات تمني النفس باستمرار الانتعاشة، وجدت نفسها وجها لوجه أمام عملاء يترددون في الشراء بفعل ارتفاع الأسعار وحالة الضبابية الجيوسياسية.

فاتورة الحرب تصل إلى المصانع

على صعيد الأسعار، سجلت تكاليف المدخلات أعلى وتيرة ارتفاع منذ مايو 2022، مدفوعة بقفزة حادة في أسعار الطاقة والمواد الخام التي غذتها اضطرابات الشرق الأوسط. ولم تجد الشركات بدا من تمرير جزء من هذه الأعباء إلى المستهلكين، لترتفع أسعار المنتجات النهائية بأسرع وتيرة في ثلاث سنوات ونصف.

ويشرح ويليامسون هذا المأزق بقوله: “تضطر المصانع إلى تحميل المستهلكين تكاليف الإنتاج المرتفعة، مما سيؤدي حتما إلى ارتفاع التضخم في الأشهر المقبلة. ومع ذلك، يتأثر الطلب سلبا بارتفاع الأسعار، حيث شهد مايو ركودا في دفاتر الطلبات بعد ثلاثة أشهر من التحسن”.

إمدادات متأخرة ووظائف متقلصة

تفاقمت تأخيرات سلاسل التوريد لتصل إلى أسوأ مستوياتها منذ يونيو 2022، مما ضاعف الضغوط التكلفوية وأضعف قدرة الشركات على الوفاء بالطلبات في مواعيدها.

وفي هذا المناخ، تراجعت معدلات التوظيف للشهر الثالث على التوالي، في مؤشر على أن المصانع بدأت فعلا في تعديل قوتها العاملة تحسبا لمرحلة أبطأ من النمو. ورغم أن ثقة المصنعين ظلت إيجابية بشأن العام المقبل، إلا أنها تراجعت دون متوسطها طويل المدى، محاطة بهواجس التضخم وتردد المستهلكين وشح الإمدادات.

ألمانيا.. نمو يتوقف عند الحافة

في أكبر اقتصادات منطقة اليورو، توقف قطاع التصنيع الألماني تقريبا عن النمو خلال مايو، مع انخفاض مؤشر مديري المشتريات إلى 50.1 نقطة من 51.4 نقطة في أبريل، ليبقى بالكاد فوق مستوى 50 الفاصل بين التوسع والانكماش.

وأشار فيل سميث، المدير المساعد للشؤون الاقتصادية في “ستاندرد آند بورز جلوبال”، إلى أن “توقف الانتعاش في قطاع التصنيع خلال مايو يؤكد المؤشرات التحذيرية التي أشارت إلى أن النمو المدفوع بتسريع الطلبات من المرجح أن يتلاشى”.

وانخفضت الطلبات الجديدة في ألمانيا لأول مرة منذ خمسة أشهر، كما تراجعت مبيعات التصدير للمرة الأولى منذ يناير، بينما تسارعت وتيرة فقدان الوظائف في المصانع إلى أسرع مستوى منذ مطلع 2025. ولم يعد أمام الشركات، بحسب سميث، سوى التضحية بالتوظيف بعد أن تآكلت هوامش الربح تحت وطأة التكاليف.

فرنسا.. عودة إلى الانكماش

كان المشهد في فرنسا أكثر قتامة، حيث انزلق مؤشر مديري المشتريات التصنيعي إلى 49.7 نقطة في مايو من 52.8 نقطة في أبريل، ليهبط بذلك دون مستوى 50 نقطة للمرة الأولى منذ نوفمبر الماضي. وبهذا الانكماش المفاجئ، تفقد فرنسا الزخم الذي بنته خلال الأشهر السابقة، معيدة المشهد إلى حيث كانت قبل أشهر من التعافي الهش.

وعلق جو هايز، كبير الاقتصاديين في “ستاندرد آند بورز جلوبال ماركت إنتلجنس”، بأن “سلاسل التوريد لا تزال تتكيف مع التقلبات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط وما تبعها من صدمة في أسعار الطاقة”، محذرا من أن هذه الضغوط قد تتجلى في ارتفاع أوسع لأسعار السلع ومشاكل إمداد أعمق في الاقتصاد الفرنسي خلال الأشهر المقبلة.

أوروبا بين التضخم الصاعد والنمو المتباطئ

في لحظة تتقاطع فيها نيران الجغرافيا السياسية مع هشاشة التعافي الاقتصادي، وجدت منطقة اليورو نفسها عالقة بين مطرقة التضخم الصاعد وسندان النمو الآخذ في التباطؤ. فالحرب في الشرق الأوسط لم تعد مجرد عنوان في نشرات الأخبار، بل أصبحت رقما في فاتورة الكهرباء، وسطرا في دفتر طلبيات المصانع، وسببا في تردد المستهلك قبل أن يفتح محفظته.

أمام صناع السياسات في فرانكفورت، تواجه الآن معادلة بالغة الصعوبة: رفع أسعار الفائدة قد يكبح التضخم لكنه يخنق طلبا بدأ يتعثر بالفعل، بينما التريث قد يسمح لتضخم التكاليف بأن يتحول إلى حلقة مفرغة تلتهم القدرة الشرائية وتقضي على ما تبقى من زخم.

وبينما يترقب الجميع القرار المقبل للمركزي الأوروبي، تظل الحقيقة الأكثر إزعاجا أن مصانع القارة العجوز لا تخوض حربا تجارية أو تنافسية هذه المرة، بل تواجه ارتدادات حرب حقيقية تقع على بعد آلاف الكيلومترات من أسوارها، لكنها تطرق أبوابها كل صباح.

مقالات مقترحة

عرض الكل