حين اشتعلت أولى شرارات الحرب على إيران، عاد شبح عام 2022 يطارد ذاكرة الأسواق العالمية، يومها قفزت أسعار الطاقة إلى عنان السماء، وانقلبت توقعات التضخم رأسا على عقب، ودخلت المصارف المركزية في سباق محموم لرفع أسعار الفائدة.
لكن مشهد عام 2026، ورغم الغبار الكثيف الذي يلف مضيق هرمز واختناق شريان النفط الحيوي، يروي قصة مختلفة، فبحسب تحليل لصحيفة “فايننشال تايمز”، لا يبدو الاقتصاد العالمي هذه المرة على أعتاب صدمة تضخم عنيفة كتلك التي هزته قبل أربع سنوات، بل هو أمام موجة أقل شراسة، حملت معها ارتفاعا في الأسعار دون أن تصل إلى عنفوان الكارثة السابقة.
شرارة ترتفع لكنها لا تحرق كل شيء
أظهرت توقعات المحللين أن متوسط توقعات التضخم العالمية ارتفع بنحو 0.8 نقطة مئوية فقط منذ اندلاع حرب إيران في أواخر فبراير الماضي. هذا الرقم يتضاءل تماماً أمام قفزة بلغت 2.3 نقطة مئوية سجلت بعد ثلاثة أشهر من بدء الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022.
وعلى جبهة النمو، خفض المحللون توقعاتهم لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 0.3 نقطة مئوية فقط منذ بداية الحرب، مقارنة بخفض تجاوز 0.9 نقطة مئوية في مرحلة مماثلة من أزمة 2022.
وجاءت هذه التعديلات المحدودة رغم أن مضيق هرمز، الذي يعبره يوميا نحو 20 مليون برميل من النفط والمشتقات، تحول إلى ممر شبه مغلق، مما عطل نحو 8.5 مليون برميل يوميا من صادرات الخام. لكن الأسواق، ولأسباب جوهرية، لم تصب بالهلع ذاته هذه المرة.
لماذا يختلف المشهد هذه المرة؟
يفسر اقتصاديون هذا التباين بأن العالم دخل أزمة 2026 بزخم اقتصادي أضعف مما كان عليه بعد جائحة كورونا، ففي عام 2022، كان الطلب الاستهلاكي المكبوت يفيض، وسلاسل الإمداد مختنقة بطبيعتها، والسياسة النقدية لا تزال تسبح في بحر من التحفيز.
أما اليوم، فالنشاط العالمي أقل حرارة، وأسواق العمل فقدت بعضا من احتقانها، وأسعار الغاز الأوروبي لا تقارن بجنون 2022، حيث بلغ سعر الغاز في أوروبا هذا العام نحو 60 يورو لكل ميغاواط/ساعة، وظل دون 50 يورو في بعض الفترات، مقارنة بأكثر من 300 يورو في صيف 2022.
كذلك ساعدت عوامل هيكلية في تخفيف الضربة، فالأزمة الحالية توصف بأنها أزمة نفط في المقام الأول، لا أزمة نفط وغاز معاً كما حدث حين قطعت روسيا إمداداتها عن القارة العجوز.
ورغم أن خام برنت قفز فوق مستوى 100 دولار للبرميل بعد اندلاع الحرب، إلا أنه تراجع لاحقا مع أنباء وجود محادثات أمريكية إيرانية لتمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح المضيق. كما أضافت موجة التفاؤل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاستثمار التكنولوجي ثقلاً موازناً لضبابية قطاع الطاقة، مما حال دون انهيار معنويات المستثمرين.
صندوق النقد يرى شبحين في الأفق
غير أن الحذر لم يغادر أروقة مؤسسات التنبؤ الكبرى، فقد قدّم صندوق النقد الدولي في تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” سيناريو رئيسيا وسيناريوهين سلبيين.
- السيناريو الأساسي: يتوقع الصندوق تباطؤ النمو العالمي إلى 3.1% في 2026 و3.2% في 2027، مع ارتفاع التضخم إلى 4.4% هذا العام قبل أن ينحسر إلى 3.7% في العام التالي. وهذا المسار يفترض حرباً محدودة المدة والنطاق، وتلاشياً تدريجياً للاضطرابات بحلول منتصف 2026.
- السيناريو القاتم: إذا استمر القتال وتمدد زمنيا، فقد يهبط النمو العالمي إلى 2.5% مع تضخم يصل إلى 5.4%.
- السيناريو الأشد خطورة: ويتضمن حدوث أضرار أوسع في بنية الطاقة التحتية واستمرار الاضطرابات حتى عام 2027، وهنا قد يتدحرج النمو إلى نحو 2% بينما يقفز التضخم فوق حاجز 6%.
وتتركز المخاطر الأكبر، بحسب الصندوق، في اقتصادات الأسواق الصاعدة والدول النامية المستوردة للطاقة، حيث يتزامن ارتفاع أسعار النفط والغذاء مع انخفاض العملات المحلية وتشدد شروط التمويل الخارجي.
ثلاث قنوات تنتقل بها الصدمة إلى العالم
يشرح صندوق النقد أن الحرب أحدثت صدمة عرض عالمية عبر ثلاث قنوات رئيسية:
- ارتفاع أسعار السلع الأولية: وفي مقدمتها الطاقة التي يتوقع أن تقفز 19% هذا العام، والنفط الذي سيرتفع 21.4% في المتوسط، مع سعر فوري يبلغ 82 دولارا للبرميل في السيناريو الأساسي، رغم أن الأسعار صعدت فعليا بنسبة 57.6% بين أغسطس 2025 ومارس 2026 لتلامس 105.8 دولار.
- توقعات التضخم والأجور: تسلل هذه الزيادات السعرية إلى توقعات التضخم وسوق الوظائف، مما يطيل أمد الضغوط الاقتصادية.
- تشدد الأوضاع المالية: ارتفاع علاوات المخاطر وتراجع شهية المستثمرين، وهو ما يضاعف الكلفة التمويلية على الاقتصادات الناشئة والشركات المثقلة بالديون.
لا يبدو عام 2026 نسخة كربونية مكررة من عام 2022، لكنه ليس عالما بلا أخطار، فما ترويه بيانات “فايننشال تايمز” وصندوق النقد هو أن الاقتصاد العالمي هذه المرة أقل عرضة لصدمة تضخم المدوية، لكنه في الوقت نفسه أقل قدرة على امتصاص أي صدمات جديدة.
وإذا كانت الدول المتقدمة تتنفس الصعداء مؤقتا بفعل تباطؤ نمو الأجور واعتدال أسعار الغاز، فإن الأسواق الصاعدة تواجه خليطا ساما من ارتفاع الفواتير وتراجع قيمة عملاتها المحلية. ويظل مضيق هرمز هو المفتاح الحقيقي للمشهد، فكل أسبوع إضافي من الإغلاق لا يرفع الأسعار فحسب، بل ينحت في صخرة النمو العالمي الهشة.







