في زمن تتغير فيه صيحات الموضة بوتيرة متسارعة، ما يزال الجلباب البلدي يحتفظ بمكانته الراسخة في محافظة سوهاج، ليس باعتباره قطعة ملابس تقليدية فحسب، بل رمزًا للهوية والانتماء وجزءًا أصيلًا من ثقافة أبناء الصعيد.
ورغم انتشار الأزياء الحديثة، ما زالت ورش الخياطة تستقبل زبائنها يوميًا، ليؤكد الجلباب أنه تراث حي استطاع الصمود أمام تغيرات الزمن، بل إن بعض أنواعه الفاخرة أصبحت تتجاوز في أسعارها البدلات الرسمية.
داخل ورشة متواضعة بإحدى قرى سوهاج، يبدأ علاء الصعيدي جمال يومه منذ الصباح الباكر، يجلس أمام ماكينة الخياطة محاطًا بالأقمشة والخيوط والمقص، ليحول قطع القماش إلى جلابيب تحمل ملامح التراث الصعيدي الذي توارثته الأجيال.
ويقول علاء، في تصريحات خاصة لـ”البورصجية”: إنه يعمل في مهنة خياطة الجلباب البلدي منذ سنوات، بعدما تعلمها على أيدي كبار الخياطين، مؤكدًا أن هذه الحرفة ما زالت تحظى بإقبال واسع رغم تغير أنماط الملابس وانتشار الأزياء العصرية.
وأوضح أن تفصيل الجلباب يحتاج إلى خبرة كبيرة ودقة في التنفيذ، لأن لكل عميل مقاسًا خاصًا، كما تختلف الخامات المستخدمة بين الجلاليب الصيفية والشتوية، وبين ما يُخصص للاستخدام اليومي وما يُفصل للمناسبات والأفراح.
وأضاف: أن الجلباب البلدي في سوهاج لا يقتصر على تصميم واحد، بل يضم عدة أنواع تختلف في طريقة القص والخياطة والتشطيب، من أبرزها “السكة الحديد” و”الجلباب العادي” و”العباسي”، إلى جانب “الكلفة الكاملة” و”نصف الكلفة”، مشيرًا إلى أن اختلاف أسلوب التنفيذ ينعكس على الوقت اللازم لإنجاز الجلباب وتكلفته النهائية، وهو ما يتطلب من الخياط المحترف إتقان جميع هذه الأنواع لتلبية أذواق الزبائن.
وأكد علاء أن الإقبال على تفصيل الجلابيب يزداد بصورة كبيرة قبل الأعياد ومواسم الأفراح والمناسبات، لافتًا إلى أن بعض الجلاليب تُصنع من أقمشة فاخرة، ما يجعل أسعارها تتجاوز في كثير من الأحيان سعر البدلة الرسمية، خاصة مع ارتفاع أسعار الخامات وجودتها، موضحًا أن أبناء الصعيد لا ينظرون إلى الجلباب باعتباره ملابس فقط، بل باعتباره جزءًا من تاريخهم وعاداتهم.
وفي الورشة، لا تتوقف حركة العمل؛ فهناك من يختار القماش، وآخر يجري القياسات، وثالث ينتظر استلام جلبابه الجديد، بينما تستمر ماكينات الخياطة في العمل طوال اليوم، في مشهد يعكس استمرار هذه الحرفة التراثية وتمسك أبناء سوهاج بها.
ومن جانبهم، يؤكد أبناء المحافظة أن الجلباب البلدي ما يزال يمثل رمزًا للفخر والاعتزاز.
ويقول محمد سيد، أحد أبناء سوهاج: إن الجلباب يعد الزي الرسمي لأبناء المحافظة، مضيفًا: “بنلبسه في الأفراح والعزاء والزيارات وكل المناسبات، لأنه بيعبر عن شخصيتنا وأصلنا.”
أما سعيد سعد، فيرى أن الجلباب حافظ على مكانته رغم تغير الموضة، موضحًا: “ناس كتير فاكرة إن البدلة أغلى، لكن الحقيقة إن الجلباب البلدي، لما يتفصل بخامات جيدة وعلى إيد خياط شاطر، ممكن يكون أغلى من البدلة، ومع ذلك الناس بتشتريه لأنه جزء من تراثها.”
ويشاركهما الرأي الأمير خالد، الذي يؤكد أن الجلباب أصبح علامة مميزة لأبناء الصعيد، قائلًا: “إحنا بنفتخر بالجلباب في أي مكان، لأنه بيعبر عن هويتنا، ومهما ظهرت أزياء جديدة هيفضل ليه مكانته وهيبته بين أهل سوهاج.”

