يتصدر مستقبل الأوضاع الأمنية والسياسية في لبنان الاهتمام الرسمي والسياسي، مع تزايد الحديث عن تنفيذ “اتفاق الإطار” الذي تم التوصل إليه برعاية أمريكية.
ويأتي ذلك وسط اختلاف في المواقف اللبنانية حيال مسار التهدئة المطروح، بين من يراه فرصة لتعزيز الاستقرار ودعم دور الدولة، ومن يعتبره تنازلاً سياسياً وأمنياً يمس السيادة اللبنانية.
ويتزامن ذلك مع مؤشرات أمريكية داعمة للمسار التفاوضي، أبرزها تصريحات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بشأن الانسحاب الإسرائيلي المرتقب من جنوب لبنان، إلى جانب استعداد الرئيس اللبناني “جوزيف عون” لزيارة واشنطن خلال الأسابيع المقبلة.
“عون” يراهن على الدولة والاستقرار
وفي وقت يتواصل فيه الجدل بشأن مستقبل الجنوب، رسم الرئيس اللبناني “جوزيف عون” ملامح رؤيته للمرحلة المقبلة، مؤكداً أن اللبنانيين يتطلعون إلى السلام والعيش بكرامة وأمان، وأن البلاد لم تعد قادرة على تحمل المزيد من الأعباء والأزمات.
وفي إطار هذه الرؤية، شدد “عون” على ضرورة قيام الدولة بمسؤولياتها تجاه المواطنين ومراعاة مصالحهم بعيداً عن الاعتبارات الحزبية والطائفية، معرباً عن أمله في أن تسهم مفاعيل “صيغة الإطار” والانسحابات الإسرائيلية المرتقبة في رفع مستوى الاستقرار، بما ينعكس إيجاباً على حركة السياحة والاستثمارات والاقتصاد اللبناني، وفقا لما نشرته الرئاسة اللبنانية، اليوم الخميس، عبر صفحتها الرسمية على منصة “إكس”.
الرئيس جوزاف عون أمام وفدين من رابطة مخاتير كسروان-الفتوح ونقابة المؤسسات السياحية البحرية:
– توق اللبنانيين إلى السلام والعيش بكرامة وأمان حقٌّ مشروع، ولبنان لم يعد يحتمل دفع المزيد من الأثمان.
– نعمل لقيام الدولة بواجباتها ومراعاة مصالح الجميع بدل الطوائف والأحزاب التي كانت… pic.twitter.com/sLSOBSnSmk— Lebanese Presidency (@LBpresidency) July 9, 2026
وتنسجم هذه المواقف مع تحركات الرئاسة اللبنانية الهادفة إلى تثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب، حيث أكد “عون” خلال استقباله السفير الأمريكي في بيروت “ميشال عيسى” ضرورة الضغط على إسرائيل لوقف العمليات العسكرية والالتزام بما نصت عليه “صيغة الإطار” التي أُعلنت عقب المفاوضات اللبنانية الأمريكية الإسرائيلية في واشنطن.
كما دعا الرئيس اللبناني إلى وقف القصف وأعمال التفجير والجرف في المناطق التي لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة فيها.
“السنيورة” يدعم الدولة ويرفض ربط المفاوضات بمسارات أخرى
وفي موازاة الموقف الرئاسي، أبدى رئيس الحكومة اللبناني السابق “فؤاد السنيورة” دعماً واضحاً للمسار الذي تقوده الدولة اللبنانية، مؤكداً أهمية تعزيز دور المؤسسات الرسمية وحصر قرار الحرب والسلم والسلاح والتفاوض بيد الدولة.
وبحسب الرئاسة اللبنانية، رأى “السنيورة” خلال لقائه بـ”عون” اليوم، أن لبنان بحاجة إلى مقاربة مستقلة في التفاوض، بعيداً عن ربط مساره بأي ملفات أو تفاهمات إقليمية أخرى، معرباً عن ثقته بقدرة الرئيس اللبناني على إدارة المرحلة المقبلة، ولا سيما قبيل زيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة.
كما اعتبر “السنيورة” أن أولوية المرحلة تتمثل في استكمال تحرير الأراضي اللبنانية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وعودة النازحين وإطلاق مسار إعادة الإعمار، بالتوازي مع تسريع الإصلاحات الاقتصادية والمالية والتعاون مع صندوق النقد الدولي لاستعادة ثقة المجتمع الدولي ودفع عجلة التعافي الاقتصادي.
وأشار رئيس الحكومة اللبناني السابق إلى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض المناطق اللبنانية يعود، بحسب تقديره، إلى ممارسات وقرارات اتخذت خارج إطار الدولة اللبنانية، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز دور المؤسسات الشرعية باعتبارها الجهة المخولة بإدارة الملفات السيادية.
رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة بعد لقائه رئيس الجمهورية:
– دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها، مع التشديد على حصرية قرار الحرب والسلم والسلاح والتفاوض بيد الدولة، ورفض ربط المسار التفاوضي اللبناني بأي مسار آخر.
– نبدي ثقتنا بحكمة الرئيس جوزاف عون وقيادته قبيل زيارته إلى واشنطن،… pic.twitter.com/FXwkEe2Dmk— Lebanese Presidency (@LBpresidency) July 9, 2026
حزب الله يهاجم الاتفاق ويصفه بأنه لمصلحة إسرائيل
في المقابل، صعّد الأمين العام لحزب الله “نعيم قاسم” انتقاداته لاتفاق الإطار، معتبراً أن الاتفاق يخدم إسرائيل بشكل كامل ولا يحقق المصالح اللبنانية.
وقال قاسم في كلمة له، أمس الأربعاء، إن وقف إطلاق النار الذي تحقق سابقاً جاء نتيجة ما وصفه بصمود المقاومة ودعم إيران، مؤكداً تمسك الحزب بهذا الخيار باعتباره جزءاً من معادلة القوة في مواجهة إسرائيل.
ووجّه “قاسم” انتقادات حادة للولايات المتحدة، متهماً إياها بممارسة ضغوط على لبنان لخدمة المصالح الإسرائيلية، كما اعتبر أن اتفاق الإطار يتضمن تنازلات تمس السيادة اللبنانية، وأنه يفتقر إلى الأسس الدستورية والقانونية التي تبرر اعتماده.
ورأى أن الاتفاق لا يضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الأراضي اللبنانية، معترضاً على عدد من البنود التي تتعلق بالترتيبات الأمنية وآليات التفاوض، داعياً السلطة اللبنانية إلى التراجع عنه.
وفي الوقت نفسه، أكد أن حزب الله لن ينجر إلى أي فتنة داخلية، لكنه سيواصل معارضته للاتفاق والدفاع عن ما يعتبره حقوق لبنان وسيادته.
كما شدد “قاسم” على أن الأولوية يجب أن تكون للانسحاب الإسرائيلي الكامل وانتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، معتبراً أن أي ترتيبات أخرى لا يمكن أن تشكل أساساً لحل دائم.
ترامب يتحدث عن انسحاب إسرائيلي
وفي وقت تتواصل فيه السجالات اللبنانية الداخلية، برزت تصريحات للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أعادت ملف الانسحاب الإسرائيلي إلى الواجهة.
فبحسب ما نقلته وكالة “رويترز“، قال “ترامب” على هامش قمة حلف الناتو في أنقرة إنه يعتقد أن إسرائيل ستسحب قواتها من جنوب لبنان لأنها ترغب في ذلك، مشيراً إلى أنه ناقش هذه المسألة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”.
وأضاف “ترامب” أن هناك اتفاقاً بين إسرائيل ولبنان، معرباً عن اعتقاده بأن الانسحاب سيحدث وأن الأمور ستسير بصورة إيجابية.
وجاءت تصريحات ترامب رغم تأكيد “نتنياهو” خلال زيارة قام بها الأسبوع الماضي إلى مناطق لبنانية تحتلها القوات الإسرائيلية أن بلاده لن تنسحب من الجنوب اللبناني طالما استمر ما وصفه بالتهديد الذي يمثله حزب الله.
اتفاق الإطار بين الدعم الرسمي والاعتراض السياسي
وتتجه الأنظار إلى اتفاق الإطار الموقع في واشنطن في 26 يونيو الماضي برعاية أمريكية بين لبنان وإسرائيل، باعتباره المحور الأساسي للنقاش السياسي الدائر حالياً.
ويهدف الاتفاق إلى وضع أسس لإنهاء الحرب وبسط سيادة الدولة اللبنانية مقابل ترتيبات أمنية تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من مناطق محددة، وحصر السلاح والقرار العسكري بيد الجيش اللبناني، وإنشاء آلية تنسيق عسكرية بإشراف أمريكي تمهد لمفاوضات أوسع في المستقبل.
غير أن الاتفاق أثار جدلاً واسعاً داخل لبنان، خصوصاً بعد الاعتراضات التي طالت بعض بنوده، وفي مقدمتها المادة المتعلقة بوقف الملاحقات أمام المحافل الدولية، فضلاً عن الخلافات بشأن آليات التنفيذ وتوقيت الانسحاب الإسرائيلي.
وبينما ترى الرئاسة اللبنانية الاتفاق أنه يمثل فرصة لإعادة الاستقرار واستعادة دور الدولة، يواصل حزب الله وقوى أخرى رفضه، معتبرين أنه يمنح إسرائيل مكاسب سياسية وأمنية لا تتناسب مع المصالح اللبنانية، الأمر الذي يجعل مستقبل الاتفاق مرتبطاً بقدرة الأطراف المختلفة على تجاوز الانقسامات الداخلية وتحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية على الأرض.
اقرأ أيضا: التهدئة في لبنان بين مطالب الانسحاب الإسرائيلي واستمرار التصعيد





