تتواصل في العاصمة التركية أنقرة أعمال قمة حلف الناتو وسط تركيز على تعزيز القدرات الدفاعية للحلف وتسريع وتيرة التعاون العسكري بين الدول الأعضاء، في وقت تفرض فيه الحرب في أوكرانيا والتطورات الأمنية الدولية تحديات متزايدة على أجندة الحلف.
وتنعقد القمة بمشاركة الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” الذي وصل إلى تركيا، اليوم الثلاثاء، في وقت يواصل فيه الدعوة إلى زيادة مساهمة الحلفاء الأوروبيين في الإنفاق الدفاعي، بينما تسعى دول الناتو إلى إثبات التزامها بالأهداف العسكرية المشتركة وتعزيز جاهزيتها لمواكبة التحديات الأمنية المتسارعة.
تعزيز القدرات الدفاعية في صدارة القمة
وتأتي قمة أنقرة بعد عام من تعهد دول حلف الناتو برفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الهدف الذي دفع باتجاهه “ترامب” خلال السنوات الماضية، فيما يسعى الحلف حالياً إلى ترجمة هذه الالتزامات المالية إلى قدرات عسكرية عملية على الأرض.
وفي هذا السياق، ركزت اجتماعات اليوم على تعزيز الجاهزية الدفاعية وتسريع وتيرة تطوير الصناعات العسكرية المشتركة، في ظل قناعة متزايدة لدى أعضاء الحلف بأن البيئة الأمنية الحالية تتطلب رفع مستويات الردع وتحديث القدرات القتالية بشكل متسارع.
وبحسب ما أعلنه حلف الناتو، فقد شهدت القمة ومنتدى الصناعات الدفاعية المصاحب لها تشكيل ائتلافات جديدة متعددة الجنسيات للمشتريات الدفاعية، بهدف اقتناء أنظمة دفاع جوي وقدرات هجومية متقدمة بصورة مشتركة، بما يسهم في توحيد الطلب وتسريع تسليم المعدات اللازمة لقوات الحلف وأوكرانيا.
كما تم الإعلان عن مبادرات جديدة للإنتاج المشترك بين الولايات المتحدة وشركات دفاع أوروبية كبرى، في خطوة تستهدف تعزيز التعاون الصناعي العسكري عبر الأطلسي وتوسيع إنتاج الأنظمة الدفاعية الأميركية داخل أوروبا.
ورحب الأمين العام للحلف “مارك روته” بهذه الخطوات، معتبراً أنها تعكس وحدة الحلف وقدرته على توفير القدرات الأساسية اللازمة للأمن الجماعي، مؤكداً أن التعاون المشترك يظل الركيزة الأساسية لتعزيز فعالية الناتو وقدرته على مواجهة التحديات المتنامية.
أوكرانيا محور أساسي للنقاشات
وتعكس القرارات الدفاعية الجديدة استمرار الحرب الروسية الأوكرانية بوصفها المحرك الرئيسي لسياسات الحلف العسكرية خلال المرحلة الحالية، إذ يرى أعضاء الناتو أن الحفاظ على قدرة أوكرانيا على الصمود عسكرياً يرتبط بشكل مباشر بأمن أوروبا واستقرارها.
وقبيل انطلاق القمة، كان قد شدد “مارك روته“، أمس، على أن دعم أوكرانيا سيبقى في صلب أولويات الحلف، مؤكداً أن كييف ما تزال بحاجة إلى مزيد من أنظمة الدفاع الجوي والقدرات العسكرية لمواجهة الهجمات الروسية المتواصلة بالطائرات المسيّرة والصواريخ.
وأشار “روته” إلى أن الحلف يسعى خلال المرحلة المقبلة إلى تحويل الزيادة الكبيرة في الإنفاق الدفاعي إلى نتائج عملية تشمل تعزيز إنتاج الذخائر والأسلحة والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية، إضافة إلى توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية لدول الحلف.
كما أوضح أن الحلفاء الأوروبيين وكندا رفعوا مساهماتهم الدفاعية بصورة ملحوظة خلال العامين الماضيين، مع تسجيل استثمارات إضافية ضخمة في قطاع الدفاع، في مؤشر على تسارع عملية إعادة بناء القدرات العسكرية الغربية.
ترامب يعيد طرح خلافات تقاسم الأعباء
ورغم أن القمة تشهد استعراضاً واسعاً للإنفاق الدفاعي والعقود العسكرية الجديدة، فإن الحضور السياسي للرئيس الأميركي “دونالد ترامب” يظل أحد أبرز العوامل المؤثرة في أجوائها.
فمنذ وصوله إلى أنقرة، يواجه الحلف اختباراً يتعلق بقدرته على الحفاظ على تماسكه في ظل الانتقادات المتكررة التي يوجهها “ترامب” للحلفاء الأوروبيين، سواء بشأن حجم الإنفاق العسكري أو مواقفهم السياسية والأمنية.
ويبدو أن الإدارة الأميركية تسعى إلى دفع الأوروبيين نحو تحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة، بينما تتزايد القناعة داخل العواصم الأوروبية بأن عليها الاستعداد لمرحلة تتراجع فيها المساهمة الأميركية المباشرة في بعض الملفات الدفاعية.
وبحسب شبكة “يورونيوز“، فإن “ترامب” أمضى الأيام التي سبقت القمة في انتقاد الحلفاء الأوروبيين بسبب ما اعتبره بطئاً في التحرك تجاه الملفات الأمنية، كما أبدى استياءه من مواقف بعض الدول الأوروبية المتعلقة بالتعامل مع إيران.
ونقلت “الشبكة” عن “ترامب” قوله إن استمرار الولايات المتحدة في تحمل أعباء أمنية كبيرة دون وجود التزام مماثل من الحلفاء يمثل مساراً غير متوازن، في إشارة جديدة إلى خلافاته التقليدية مع عدد من الشركاء الأوروبيين.
أوروبا بين التهدئة والاستعداد لدور أكبر
ووفقًا لـ”يورونيوز”، تكشف المناقشات الجارية في أنقرة عن مسارين متوازيين داخل الحلف، الأول يتمثل في محاولة الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والثاني يتمثل في تعزيز الاستقلالية الدفاعية الأوروبية تحسباً لأي تغيرات مستقبلية في السياسة الأميركية.
وفي هذا الإطار، يسعى القادة الأوروبيون إلى تجنب أي مواجهة سياسية مع “ترامب” قد تؤثر على صورة الحلف ووحدته، فيما يعوّل العديد من الدبلوماسيين على العلاقة الجيدة التي تجمعه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب جهود “مارك روته” للحفاظ على أجواء توافقية داخل القمة.
وأضافت “يورونيوز”، أن الملف الإيراني برز ضمن المشاورات الجانبية، إذ تعمل دول أوروبية، بقيادة فرنسا وبريطانيا، على دراسة ترتيبات بحرية محتملة في منطقة مضيق هرمز، في وقت ما تزال فيه العواصم الأوروبية تترقب وضوحاً أكبر بشأن مستقبل التفاهمات الأميركية مع إيران قبل اتخاذ خطوات ميدانية أوسع.
تحول تدريجي داخل حلف الناتو
وتشير مخرجات اليوم الأول من قمة أنقرة إلى أن الناتو دخل مرحلة جديدة تقوم على رفع الإنفاق العسكري وتسريع الإنتاج الدفاعي وتوسيع الأدوار الأوروبية داخل منظومة الأمن الجماعي.
وبينما تحاول الدول الأعضاء الحفاظ على الشراكة الوثيقة مع واشنطن، فإن التحركات الحالية تعكس استعداداً متزايداً لتحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن القارة الأوروبية.
وفي ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وقضية مضيق هرمز، وتنامي التحديات الأمنية الدولية، تبدو قمة أنقرة محطة مفصلية في مسار حلف الناتو، ليس فقط لجهة تعزيز القدرات العسكرية، بل أيضاً في رسم ملامح العلاقة المستقبلية بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين داخل أكبر تحالف عسكري في العالم.
اقرأ أيضا: دعم أوكرانيا وتعزيز الدفاع يتصدران قمة حلف الناتو في تركيا




