بين انفراجة السلام وهشاشة الاستقرار.. هل ينجح الاقتصاد العالمي في تجاوز صدمة الحرب؟

بين انفراجة السلام وهشاشة الاستقرار.. هل ينجح الاقتصاد العالمي في تجاوز صدمة الحرب؟
مشاركة المقال:
حجم الخط:

يمر الاقتصاد العالمي بمرحلة دقيقة من إعادة التقييم والتعافي الحذر، عقب التوصل إلى اتفاق سلام هش وضع حداً للنزاع المسلح الأخير.

ورغم أن هذا الاتفاق منح الأسواق العالمية متنفسًا لالتقاط الأنفاس وساهم في تهدئة التوقعات بشأن أسعار الطاقة ومعدلات التضخم، إلا أن الأوساط المالية لا تزال تنظر بعين الريبة إلى المستقبل، فالأضرار الهيكلية التي خلفتها الحرب قد وقعت بالفعل، وتراجع أسعار النفط لن يكون كافياً لمحو آثار الصدمة بالكامل.

في هذا السياق، قدم محللو “بنك أوف أميركا” في تقريرهم لمنتصف عام 2026 قراءة معمقة لملامح النمو العالمي والتحديات الراهنة.

مؤشرات النمو والتضخم

في خطوة تعكس تحسناً نسبياً في بيئة الأعمال، رفع “بنك أوف أميركا” توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى 3.2% خلال عام 2026 و3.5% في عام 2027، مقارنة بتقديراته السابقة التي كانت تقف عند 3.1% و3.4% على التوالي.

وجاء هذا التفاؤل مدفوعاً بالانتعاش القوي في دورة الصادرات الآسيوية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتحسن أداء الاقتصادات المتقدمة مستفيدة من هبوط تكاليف الطاقة.

وتزامن ذلك مع مراجعة البنك لتوقعات أسعار النفط، حيث خفض فريق السلع تقديراته لمتوسط سعر خام برنت إلى 72 دولاراً للبرميل خلال النصف الثاني من عام 2026، وإلى 65 دولاراً في عام 2027، بشرط عدم حدوث تصعيد ميداني جديد واستمرار حركة الناقلات عبر مضيق هرمز.

وبناءً على هذا الهبوط، عَدّل البنك توقعاته للتضخم العالمي نزولاً إلى 3% لهذا العام، ثم 2.4% في 2027 و2.5% في 2028. ومع ذلك، يؤكد التقرير أن انخفاض الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب لن يعكس بالكامل الأثر التضخمي التراكمي الذي تعرضت له الأسواق.

السياسة النقدية

على عكس رغبة الأسواق في بدء دورة تيسير نقدي (خفض الفائدة)، يتوقع “بنك أوف أميركا” أن يتجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تشديد سياسته عبر رفع أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس خلال العام الجاري، بدءاً من شهر سبتمبر.

ويأتي هذا التوجه مدفوعاً بقوة سوق العمل الأمريكية وتدهور ديناميكيات التضخم الداخلي، مما يجعل خفض الفائدة خياراً مستبعداً في المدى المنظور.

تحديات تواجه المشهد العالمي

حدد التقرير 3 تحديات رئيسية تقف حجر عثرة أمام الاستقرار المستدام:

  1. أمن الطاقة في الشرق الأوسط: بالنظر إلى الطبيعة المؤقتة والهشة لاتفاق السلام، فإن أي تصعيد مفاجئ، بالتزامن مع انخفاض مخزونات النفط، قد يعيد تسريع الأسعار ويجدد اضطراب سلاسل الإمداد، رغم أن الأسواق حالياً سَعّرت عودة التدفقات بشكل شبه كامل.
  2. التشديد المالي العالمي: ثمة مخاوف من تشديد مالي أسرع وأكثر اضطراباً بقيادة الفيدرالي الأمريكي. وحذر التقرير من أن الأسواق المعتمدة على السيولة الميسرة وطفرة الذكاء الاصطناعي قد تشهد تصحيحاً حاداً في أسعار الأصول إذا تزايدت الضغوط النقدية.
  3. الفائض الصيني: أظهرت الصين مرونة عالية في امتصاص الصدمات، لكن ضعف طلبها المحلي يدفعها للاعتماد الكبير على تصدير فائض طاقتها الإنتاجية، وهو ما يطرح تساؤلاً حول قدرة العالم على استيعاب هذا الفائض دون الدخول في توترات تجارية وجيوسياسية جديدة (حرب تجارية).

آسيا تقود وأوروبا تتعافى ببطء

تظل منطقة آسيا الناشئة هي القاطرة الأساسية للنمو العالمي بفضل الطفرة التكنولوجية وصادرات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، تقبع أوروبا كالحلقة الأضعف نتيجة تحملها العبء الأكبر من صدمة الطاقة، وإن بدت خسائرها أقل مما كان يخشى سابقاً بفضل تراجع أسعار النفط والغاز.

أما الاقتصاد الأمريكي، فيسير نحو تحقيق نمو منخفض فوق مستوى 2% بقليل، مدعوماً بإنفاق رأسمالي مستمر في قطاع التكنولوجيا وتراجع أسعار البنزين، رغم الضغوط التضخمية المستمرة.

وختاما فإن الاقتصاد العالمي نجح في امتصاص الصدمة الأولى للحرب وأظهر مرونة واضحة في التكيف مع المتغيرات، مدعوماً بقطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

إلا أن هذا التعافي يظل مشروطاً ومحاطاً بحقول من الألغام، فالسلام الراهن ما زال غضاً، والسياسات النقدية المتشددة تفرض قيوداً ثقيلة على الأسواق المالية.

المرحلة المقبلة تتطلب من صناع القرار توازناً دقيقاً بين تحفيز النمو واحتواء التضخم، حيث إن تجاوز الصدمة لا يعني بالضرورة زوال الخطر، بل يعني الدخول في مرحلة جديدة من إدارة الأزمات بحذر شديد.

مقالات مقترحة

عرض الكل