مع انطلاق النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم بمشاركة 48 منتخباً، يتجدد الجدل حول القيمة الاقتصادية الحقيقية لاستضافة المونديال، ليعود إلى الواجهة سؤال قديم متجدد: هل تجني الدول المستضيفة عوائد ملموسة تدعم اقتصاداتها الوطنية، أم أن المكاسب الحقيقية تذهب في النهاية إلى جيوب الشركات والراعي العالمي؟
فقد خلصت مذكرة بحثية صادرة عن بنك “جولدمان ساكس” في الثالث من يونيو الجاري إلى أن استضافة كأس العالم تحقق أثرا إيجابيا محدودا على النشاط الاقتصادي، لكنه يبقى غير ذي دلالة إحصائية، فيما يقترب الأثر طويل الأجل على الناتج المحلي الإجمالي من الصفر. واستندت الدراسة إلى تحليل بيانات جميع بطولات كأس العالم منذ عام 1982.
في المقابل، تتوقع دراسة مشتركة أصدرها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ومنظمة التجارة العالمية في أبريل 2025، وأعدتها شركة OpenEconomics، أن تضيف البطولة نحو 17.2 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة وحدها، مع ناتج اقتصادي إجمالي يبلغ 40.9 مليار دولار عبر الدول الثلاث المستضيفة، إضافة إلى نحو 824 ألف وظيفة على المستوى العالمي.
لماذا تختلف التقديرات؟
يرجع التباين بين الدراستين إلى اختلاف المنهجيات. فدراسة “فيفا” تعتمد نماذج تقيس التأثيرات المباشرة وغير المباشرة والمحفزة للنشاط الاقتصادي، بينما يرى “جولدمان ساكس” أن هذه النماذج تتجاهل ثلاثة قيود هيكلية رئيسية:
أولها أن معظم المشاهدين المتوقعين، وعددهم نحو خمسة مليارات شخص، لن يسافروا إلى الدول المستضيفة، مما يعني أن إنفاقهم يُسجل في اقتصاداتهم المحلية لا في اقتصادات الدول المضيفة.
وثانيها ما يعرف بـ”أثر الإحلال”، حيث يحل الإنفاق المرتبط بالبطولة محل إنفاق كان سيحدث في قطاعات أخرى داخل الاقتصاد نفسه. أما ثالثها فهو أن أي زيادة مؤقتة في الإنفاق سرعان ما تتراجع بعد انتهاء البطولة.
ويضيف “جولدمان ساكس” عاملاً خاصاً بنسخة 2026، يتمثل في ضخامة اقتصادات الدول المستضيفة. فالولايات المتحدة وكندا والمكسيك تمثل مجتمعة نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مما يجعل أثر البطولة أقل وضوحاً.
وتبلغ المساهمة المتوقعة البالغة 17.2 مليار دولار نحو 0.05% فقط من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي البالغ 31.856 تريليون دولار في الربع الأول من 2026.
وتشير بيانات تشغيلية أولية إلى أن الطلب قد يكون دون التوقعات. فقد أظهر استطلاع أجرته الجمعية الأميركية لصناعة الفنادق والإقامة أن 80% من الفنادق المشاركة سجلت حجوزات أقل من المتوقع.
المستفيدون الحقيقيون
مذكرة “جولدمان ساكس” لا تنفي وجود مكاسب اقتصادية، لكنها ترى أن المستفيدين الرئيسيين هم شركات وقطاعات محددة مثل المشروبات والملابس الرياضية وتجارة التجزئة والفنادق وشركات الطيران، أكثر من الاقتصادات الوطنية.
وتشمل القائمة شركات مثل “أديداس” و”بوما” و”نايكي” إلى جانب سلاسل الفنادق الكبرى. وترى الدراسة أن قسماً مهماً من أرباح حقوق البث والرعاية يتسرب إلى شركات متعددة الجنسيات خارج الدول المستضيفة.
ويأتي هذا النقاش في وقت يحقق فيه الاقتصاد الرياضي العالمي إيرادات سنوية تبلغ نحو 2.3 تريليون دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى 8.8 تريليون دولار بحلول عام 2050، وفق تقرير “Sports for People and Planet”.
ورغم الجدل حول الأثر الاقتصادي المباشر، يرى اقتصاديون أن ثمة منافع يصعب قياسها بالأرقام، مثل تعزيز الصورة الدولية للدول المستضيفة وزيادة الحضور العالمي للمدن المستضيفة. لكن الأدلة التاريخية، بحسب “جولدمان ساكس”، تشير إلى أن عبء إثبات المكاسب الاقتصادية التحويلية لا يزال يقع على عاتق المؤيدين لهذه الفرضية.







