يرى الكاتب والمحلل السياسي المتخصص في الشؤون الدولية الدكتور “فؤاد عبد الرازق” أن التصعيد العسكري الأمريكي الأخير ضد إيران، رغم حدّته، لا يعكس انزلاقًا نحو حرب شاملة بقدر ما يندرج ضمن إطار الردود الدفاعية المرتبطة بحادثة إسقاط مروحية أباتشي بالقرب من بحر عُمان، في وقت لا تزال فيه قنوات التفاوض قائمة ومحاولات احتواء الأزمة مستمرة، وإن كانت تتعرض لضغوط متزايدة من التطورات الميدانية.
وفي هذا السياق، كانت قد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، فجر اليوم الأربعاء، تنفيذ ضربات قالت إنها دفاعية ضد أهداف مرتبطة بإيران، عقب إسقاط مروحية أباتشي خلال دورية في منطقة الخليج، ما أعاد مستوى التوتر بين الجانبين إلى الواجهة، رغم استمرار التحركات الدبلوماسية لتفادي التصعيد.
وأكدت القيادة المركزية أن العملية جاءت بتوجيه من الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، ووصفتها بأنها رد متناسب على عدوان غير مبرر، في وقت أكد فيه الرئيس الأمريكي أن بلاده “لن تتهاون مع استهداف قواتها”، مع الإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة مع طهران.
وفي هذا السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي المتخصص في الشؤون الدولية الدكتور “فؤاد عبد الرازق”، في تصريحات خاصة لـ”البورصجية نيوز“، أن ما يجري يعكس “اندفاعًا نحو الحرب لا طائل منه”، مشيرًا إلى أن الرد الأمريكي الأخير، رغم طبيعته العسكرية، يندرج ضمن مفهوم “الدفاع عن النفس” بعد إسقاط المروحية، وليس ضمن مسار حرب شاملة جديدة.
وأضاف “عبد الرازق” أن إدارة “ترامب”، رغم هذا التصعيد، لا تزال تميل إلى الحفاظ على مسار التفاوض مع إيران باعتباره الخيار الأكثر واقعية، موضحًا أن التصعيد “أضر بشكل واضح بعملية التفاوض”، لكنه لم يصل إلى حد انهيارها، في ظل حرص الرئيس الأمريكي على إبقاء الدبلوماسية هي المسار المهيمن في إدارة الأزمة.
ويرتبط هذا التقدير، بحسب “عبد الرازق”، بسلوك واشنطن الذي يسعى إلى ضبط إيقاع التصعيد، إذ يرى أن قرار الضربات الأمريكية الأخيرة جاء كرد مباشر على إسقاط المروحية، وبالتالي جرى تأطيره سياسيًا وإعلاميًا باعتباره “ردًا دفاعيًا” وليس بداية مواجهة موسعة مع إيران.
وفي موازاة ذلك، يشير المحلل السياسي إلى أن التوازن داخل الإدارة الأمريكية يتأثر أيضًا بعلاقة واشنطن مع إسرائيل، حيث يعتبر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” من أبرز الداعين لتشديد المواجهة مع طهران، في حين يحرص “ترامب” على منع انزلاق الوضع إلى حرب مفتوحة قد تضر بمسار التفاوض القائم.
وبحسب “عبد الرازق”، فإن “ترامب”، “يمثل حائط السد الأول” أمام محاولات الدفع نحو التصعيد العسكري الشامل، مستشهدًا بتقارير تفيد بأنه أوقف بالفعل هجومًا إسرائيليًا واسعًا على إيران، عقب الهجوم الإيراني على إسرائيل الأحد الماضي، كما حال دون تنفيذ ضربة إسرائيلية في محيط الضاحية الجنوبية لبيروت، في إطار محاولات أمريكية لضبط إيقاع الجبهات الإقليمية ومنع توسعها.
وفي المقابل، يشير “فؤاد عبد الرازق”، إلى أن الخلافات بين واشنطن وتل أبيب، رغم حدتها، لا ترقى إلى مستوى القطيعة، بل تظل ضمن إطار “إدارة الخلاف”، بهدف منع “نتنياهو” من التأثير السلبي على مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، التي تحاول واشنطن إبقاؤها قائمة رغم الضغوط الميدانية والسياسية.
وتعزز هذه قراءة “عبد الرازق”، تقارير إعلامية، بينها موقع “أكسيوس” الأمريكي، التي أفادت بأن “ترامب” يضغط باتجاه وقف التصعيد العسكري، وأنه أبلغ “نتنياهو” بضرورة تجنب خطوات قد تفجر المسار التفاوضي، في وقت تؤكد فيه واشنطن أنها لا تدعم توسيع نطاق الضربات داخل إيران.
وفي موازاة ذلك، يرى “عبد الرازق” أن أي تسوية محتملة قد تتجه تدريجيًا نحو تفاهمات جزئية تتعلق بمضيق هرمز باعتباره نقطة حساسة في معادلة الطاقة العالمية والتجارة الدولية.
ويضيف أن واشنطن قد تسعى إلى ترتيبات مرحلية تشمل تخفيف التوتر في المضيق مقابل تفاهمات اقتصادية وأمنية محددة، في حين قد تقدم طهران هذا المسار باعتباره مكسبًا سياسيًا، حتى مع استمرار تأجيل الحسم النهائي للملف النووي إلى مراحل لاحقة.
ويخلص المشهد، وفق هذه القراءة، إلى أن التصعيد العسكري الأخير لم يُغلق نافذة التفاوض، بل أعاد تشكيلها ضمن شروط أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل العمليات العسكرية المحدودة مع محاولات دبلوماسية نشطة، في سباق مفتوح بين إدارة التوتر ومنع انفجاره إلى مواجهة شاملة.
اقرأ أيضا: هجمات متبادلة بين واشنطن وطهران ترفع مستوى التوتر في المنطقة







