يتحرك المشهد في مضيق هرمز على إيقاع سياسي وعسكري واقتصادي متسارع، حيث تتداخل رسائل التفاوض بين طهران وواشنطن مع تحذيرات إقليمية ودولية من اتساع دائرة التوتر، في وقت تبدو فيه أسواق الطاقة الأكثر حساسية لأي تصريح أو خطوة على هذا الخط الرفيع بين التصعيد والتهدئة.
وبين الردود الإيرانية عبر الوسيط الباكستاني، والمواقف الأمريكية المتشددة، والدعوات العربية والأوروبية لخفض التصعيد في منطقة الشرق الأوسط وضمان حرية الملاحة، يبقى المضيق في قلب معادلة لا تنفصل فيها السياسة عن حركة النفط وأسعار الطاقة العالمية.
ففي طهران، نقلت وكالة أنباء “فارس” الإيرانية، اليوم الإثنين، عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “إسماعيل بقائي” تأكيده أن المقترح الذي قدمته إيران إلى الولايات المتحدة عبر الوسيط الباكستاني يتضمن مطالب معقولة ومسؤولة تركز على ضمان أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.
وأوضح “بقائي” أن ضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز يمثل، وفق الرؤية الإيرانية، قضية أساسية لا يمكن اختزالها في إطار ضيق أو اعتباره مطلباً تفاوضياً ثانوياً، مشيراً إلى أن المقترح يخدم أمن المنطقة والعالم معاً.
وتزامنت هذه التصريحات مع هجوم شنه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على الرد الذي تسلمته واشنطن من طهران عبر الوسيط الباكستاني بشأن المقترح الأخير، واصفاً إياه بأنه “غير مقبول إطلاقاً”.
وقال “ترامب” في منشور على منصة “تروث سوشيال” إنه اطلع على رد ما وصفهم بممثلي إيران، مضيفاً: “لقد قرأت للتو رد ما يُسمّى بممثلي إيران، لا يعجبني إنه غير مقبول إطلاقاً”.
وفي سياق موازٍ، تصاعد الخطاب السياسي من قبل طهران، إذ قال الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس” إن بلاده “لن تنحني أبداً أمام العدو”، مؤكداً أن أي حديث عن الحوار أو التفاوض لا يعني الاستسلام، بل يهدف إلى استيفاء حقوق الشعب الإيراني والدفاع القوي عن مصالحه.
هرگز در برابر دشمن سر خم نخواهیم کرد و اگر سخنی از گفتوگو یا مذاکره مطرح میشود، معنای آن تسلیم یا عقبنشینی نیست. بلکه هدف، احقاق حقوق ملت ایران و دفاع مقتدرانه از منافع ملی است.
— Masoud Pezeshkian (@drpezeshkian) May 10, 2026
اقرأ أيضا: طهران تسلم ردها على المقترح الأمريكي وترامب يصعّد لهجته بشأن النووي
وبالتوازي مع هذا التصعيد، أفادت شبكة “سي بي إس نيوز” أن “ترامب” يواجه ضغوطاً متزايدة لإنهاء الحرب واحتواء تداعياتها على أسواق الطاقة، في ظل ارتفاع أسعار الوقود خلال الشهرين الماضيين، مع توجه أمريكي لاستخدام النفوذ الدولي، بما في ذلك الصين، للضغط على طهران.
كما نقلت “الشبكة” عن مسؤول أمريكي رفيع أن “ترامب” يتوقع ممارسة مزيد من الضغط على إيران، وأن ملف استمرار الصين في شراء النفط الإيراني رغم العقوبات سيبقى محوراً أساسياً في الاتصالات الدبلوماسية بين واشنطن وبكين، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية.
وفي تطور متصل، ذكرت شبكة “إيه بي سي نيوز” أن أسعار النفط ارتفعت مباشرة بعد رفض ترامب للمقترح الإيراني الأخير، إذ سجل الخام الأمريكي نحو 98 دولاراً للبرميل بزيادة 2.5%، بينما تجاوز الخام العالمي 104 دولارات بارتفاع يقارب 3% صباح الإثنين الماضي، في انعكاس مباشر لحالة التوتر السياسي بين واشنطن وطهران.
وفي سياق مرتبط، نقلت وكالة “رويترز” أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تراجعت إلى مستويات محدودة مقارنة بما قبل التصعيد، مع مغادرة ثلاث ناقلات نفط محملة بالخام خلال الأسبوع الماضي، ولجوء بعض السفن إلى تعطيل أجهزة التتبع لتفادي المخاطر المحتملة، ما يعكس تصاعد حالة عدم الاستقرار في أحد أهم الممرات النفطية العالمية.
كما أشارت “رويترز” إلى أن الحرب لا تحظى بدعم واسع داخل الولايات المتحدة، في ظل ارتفاع أسعار البنزين وتزايد الانتقادات الشعبية، إلى جانب صعوبة حشد دعم دولي لفتح المضيق دون اتفاق سياسي شامل.
اقرأ أيضا: تحذير قطري من تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز على أمن المنطقة
وفي المقابل، برزت مواقف إقليمية ودولية داعية إلى خفض التصعيد، حيث شدد الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” خلال كلمته في افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور بحضور الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” وعدد من المسؤولين الأفارقة، يوم 9 مايو الجاري، على ضرورة تجنيب منطقة الشرق الأوسط المزيد من التصعيد وعدم الاستقرار، محذراً من تداعياته على الأمن الإقليمي والدولي وحركة التجارة وسلاسل الإمداد.
وجدد “السيسي” موقف مصر الداعم لأمن واستقرار الدول العربية، مؤكداً رفض القاهرة المساس بسيادة الدول العربية أو بمقدرات شعوبها، وفق ما أعلنه المتحدث باسم رئاسة الجمهورية “محمد الشناوي”.
وفي السياق ذاته، حذّر وزير الخارجية القطري “محمد بن عبد الرحمن آل ثاني”، خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي”، يوم 10 مايو، من تداعيات أي تهديد لحرية الملاحة في مضيق هرمز أو استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط، مؤكداً أن حرية الملاحة مبدأ دولي لا يقبل المساومة.
وأوضح بيان وزارة الخارجية القطرية أن الدوحة تدعم جهود الوساطة الهادفة إلى إنهاء الأزمات الإقليمية بالطرق السلمية، داعياً إلى تهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران، مع الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وعلى الصعيد الأوروبي، أكدت الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي “كايا كالاس” خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في بروكسل، على أن الأولوية الحالية للاتحاد تتمثل في وقف التصعيد وفتح مضيق هرمز بالتوازي مع استمرار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مع توسع النقاش ليشمل ملفات أخرى.
وبين المسار التفاوضي غير المباشر عبر الوسيط الباكستاني، والتصعيد السياسي والعسكري المتبادل بين طهران وواشنطن، والتحذيرات الإقليمية من تداعيات إغلاق الممرات البحرية، يبقى مضيق هرمز في قلب المعادلة، بينما تتحرك أسواق النفط لحظة بلحظة مع كل تطور سياسي، في مشهد يعكس ترابطاً متزايداً بين الجغرافيا السياسية وأمن الطاقة العالمي.
اقرأ أيضا: السيسي: تصعيد الشرق الأوسط مرفوض ونرفض انتهاك سيادة الدول العربية







