في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية وما تفرضه من ضغوط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، تتبنى مصر نهجًا استباقيًا للتعامل مع الأزمات الدولية، قائمًا على تقليل المخاطر وتعظيم الاستفادة من الفرص.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن هذه السياسات تمثل تحولًا من مجرد إدارة الأزمات إلى بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة.
رؤية واستعداد للمستقبل
أكد الدكتور جلال الشيخ، خبير تطوير الأعمال، أن الاقتصاد المصري يمتلك فرصًا حقيقية للنمو رغم التحديات الراهنة، مشيرًا إلى أن عام 2026 يمثل نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر استقرارًا.
وقال إن فلسفة التعافي الاقتصادي لا يجب أن تقتصر على امتصاص الصدمات فقط، بل يجب أن تمتد إلى بناء نموذج قائم على النمو المستدام، فالقوة الحقيقية لأي اقتصاد تكمن في الاستعداد للأزمات قبل وقوعها.
وأضاف “الشيخ” كل محنة تحمل فرصًا حقيقية، وقد أثبتت التجارب أن الاقتصادات القادرة على استيعاب الصدمات هي الأكثر قدرة على الانطلاق بعدها، موضحًا أن الدولة المصرية اتخذت خطوات استباقية لمواجهة تداعيات التوترات والحروب العالمية، ما ساهم في الحفاظ على مكتسباتها الاقتصادية وتقليل هدر الموارد.
استقرار الأوضاع الاقتصادية
وأشار إلى أن المواطن المصري لعب دورًا مهمًا في دعم استقرار السوق، قائلاً: “المواطن أظهر وعيًا كبيرًا في استيعاب الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الدولة، وهو ما انعكس إيجابيًا على استقرار الأوضاع الاقتصادية”.
وشدد “الشيخ” على أهمية تفعيل دور المجلس الاقتصادي التخصصي لتحقيق الحوكمة وتوحيد الرؤى بين مختلف قطاعات الدولة، بما يدعم تحقيق استقرار اقتصادي طويل الأمد، لافتًا إلى أن مؤشرات البنك المركزي تعكس تحسنًا في ميزان المدفوعات وارتفاع الاحتياطي النقدي، وهو ما يعزز الثقة في السوق.
كما أكد أن أزمة الطاقة العالمية تفرض ضرورة التوسع في البدائل المستدامة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، مشيرًا إلى وجود فرص كبيرة للتعاون مع القطاع الخاص، رغم التحديات التي تواجه القطاع.
تداعيات دولية وتحرك استباقي
من جانبه أكد الخبير الاقتصادي مصطفى جمال أن المشهد الاقتصادي الإقليمي يعكس حالة من عدم اليقين السياسي العالمي، قائلاً: “الساحة الدولية تتسم بالرمادية والتضارب، ما ينبئ بتطورات متعارضة خلال الفترة المقبلة”.
وأضاف أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران غيرت مفاهيم الأمن القومي، فلم يعد مقتصرًا على حماية الحدود، بل امتد ليشمل أمن الطاقة وخطوط الإمداد وخامات الإنتاج”، مشيرًا إلى أن إغلاق مضيق هرمز أثر بشكل كبير على تدفقات النفط العالمية، وهو ما انعكس على أسعار الطاقة والشحن والتأمين وبالتالي ارتفاع أسعار السلع.
وأوضح جمال أن التعافي الاقتصادي لن يكون متزامنًا بين الدول، قائلاً: “تداعيات الحروب تستمر حتى بعد توقفها، ولن تتعافى الاقتصادات بنفس الوتيرة، حيث يعتمد ذلك على الإجراءات التحوطية التي اتخذتها كل دولة مسبقًا”.
وأكد أن مصر كانت من بين الدول التي تحركت بشكل استباقي، موضحًا أن الدولة عملت على عدة مسارات، في مقدمتها تكوين مخزونات استراتيجية من النفط والغاز، إلى جانب تعزيز المخزون السلعي والتوسع في الإنتاج الزراعي، وهو ما ساهم في تقليل تأثر الاقتصاد بالأزمات.
الاستثمار الأجنبي والمشروعات القومية
وأضاف “جمال” أن التدفقات الدولارية شهدت تحسنًا ملحوظًا، حيث بلغت نحو 67 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي، مدفوعة بتحويلات المصريين بالخارج وعوائد السياحة والصادرات، مؤكدًا أن الاستثمار الأجنبي والمشروعات القومية لعبا دورًا مهمًا في تعزيز ثقة المستثمرين ودعم الاحتياطي النقدي.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار هذه السياسات الاستباقية يعزز من قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات وتحقيق نمو مستدام خلال المرحلة المقبلة.







