في وقت تتسارع فيه التحركات الأمريكية والدولية لاحتواء الهجمات العسكرية الإسرائيلية المتصاعدة في جنوب لبنان، أعلن الرئيس اللبناني “جوزيف عون” أن نتائج الجولة الرابعة من المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل تمثل الفرصة الأخيرة للتوصل إلى وقف نهائي وشامل لإطلاق النار، محذرًا من أن مسؤولية فشل المسار الحالي ستقع على عاتق الطرف الذي يرفض التجاوب مع المبادرة المطروحة.
عون: المفاوضات فرصة أخيرة لوقف شامل لإطلاق النار
وقال “عون”، خلال تصريحات أدلى بها للصحفيين في قصر بعبدا، اليوم الخميس، إن البيان الصادر عن الجولة الأخيرة من المفاوضات تضمن نقاطًا وصفها بأنها مهمة جدًا لصالح لبنان، مؤكدًا أن السلطات اللبنانية تنتظر تلقي الردود النهائية من الأطراف الداخلية المعنية، وفي مقدمتها “حزب الله”، قبل إبلاغ الجانب الأمريكي بالموقف الرسمي اللبناني لاتخاذ الخطوات اللاحقة.
وأوضح الرئيس اللبناني أن الولايات المتحدة ستتولى تحديد موعد وآلية تنفيذ وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن الاتفاق يمكن أن يدخل حيز التنفيذ خلال 24 ساعة من إبلاغ واشنطن بالموافقة النهائية وتقديم الضمانات المطلوبة، فيما سيكون الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الضامن المباشر لتنفيذ الاتفاق.
مفاوضات شاقة وتدخل أمريكي لحسم الخلافات
وكشف “عون” عن تفاصيل المفاوضات التي جرت خلال الساعات الماضية، موضحًا أن الوفد اللبناني المفاوض برئاسة السفير “سيمون كرم” أظهر صلابة كبيرة خلال المحادثات التي وصفها بأنها كانت بالغة الصعوبة.
وأضاف أن “كرم” أوقف إحدى جلسات التفاوض ورفض الانتقال إلى أي ملفات أخرى قبل الحصول على التزام واضح بوقف شامل لإطلاق النار، الأمر الذي استدعى تدخلاً مباشرًا من وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” لاستئناف المفاوضات، قبل أن تنتهي بتبني المطلب اللبناني القاضي بوقف كامل للأعمال العسكرية.
وأشار “عون” إلى أن الاتصالات السياسية والدبلوماسية استمرت طوال، يوم الأربعاء، وحتى الساعات الأولى من، فجر الخميس، مع جهات دولية وداخلية مختلفة لتثبيت وقف إطلاق النار، لافتًا إلى أن عدداً من الدول الشقيقة والصديقة مارست ضغوطًا داعمة للموقف اللبناني خلال المفاوضات.
مناطق تجريبية مقترحة جنوب لبنان لتعزيز سلطة الدولة
وفي ما يتعلق بالمناطق التجريبية أو ما يُعرف بـ”Pilot Zones”، قال الرئيس اللبناني إن بيروت اقترحت أن تبدأ المرحلة الأولى في بلدات الزوطرين الشرقية والغربية ويحمر وقلعة الشقيف، نظراً إلى الأهمية الرمزية والاستراتيجية لهذه المنطقة وقربها من مدينة النبطية.
الرئيس جوزاف عون في دردشة مع الصحافيين في قصر بعبدا:
– نتائج الجولة الرابعة من المفاوضات، والبيان الصادر عنها بما تضمّنه من نقاط مهمة جداً لصالح لبنان، تشكّل الفرصة الأخيرة للدخول في وقف نهائي وشامل لإطلاق النار، على أن يتحمّل كل طرف المسؤولية في حال عدم التجاوب.
– فور تلقي…— Lebanese Presidency (@LBpresidency) June 4, 2026
اتفاق أمريكي لبناني إسرائيلي لرسم مسار التهدئة
وجاءت تصريحات “عون” بعد يوم واحد من صدور بيان مشترك عن الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل عقب اختتام الجولة الرابعة من الاجتماعات الثلاثية رفيعة المستوى التي انعقدت يومي 2 و3 يونيو الجاري برعاية أمريكية.
وبحسب البيان، توصلت المفاوضات التي قادتها واشنطن إلى اتفاق مبدئي بين لبنان وإسرائيل على تنفيذ وقف لإطلاق النار، على أن يكون مشروطًا بوقف كامل لنيران “حزب الله” وإخلاء جميع عناصره من منطقة جنوب الليطاني.
كما نص الاتفاق على الإسراع في إنشاء مناطق أمنية تجريبية تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأرض، مع استبعاد جميع الجهات المسلحة غير التابعة للدولة، في خطوة قالت الأطراف الثلاثة إنها تمهد للوصول إلى اتفاق شامل للسلام والأمن بين الجانبين.
وأكد البيان أن مستقبل العلاقات بين لبنان وإسرائيل يجب أن يُحدد حصراً من قبل الحكومتين السياديتين، مع رفض أي محاولات من أطراف إقليمية أو جهات غير حكومية للتأثير على مستقبل لبنان أو احتجازه رهينة لصراعات خارجية.
إطار أمني جديد ومفاوضات نحو اتفاق شامل
وتضمن الاتفاق كذلك مواصلة المفاوضات المباشرة بين الجانبين لمعالجة الملفات العالقة، وبحث إطار أمني يستند إلى المناقشات التي جرت في وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” في 29 مايو الماضي، ويهدف إلى ضمان سيادة لبنان وإسرائيل وسلامة أراضيهما بصورة مستدامة، بما يشمل تفكيك الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة ومنع إعادة تشكلها.
وشددت الولايات المتحدة في البيان على استمرار دعمها للحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، مؤكدة أن أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم حصراً عبر مسار مباشر بين الحكومتين وبرعاية أمريكية.
كما جددت واشنطن التزامها بدعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته لتمكينه من بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
في المقابل، أكدت إسرائيل أن تحقيق أمنها وضمان سلامة أراضيها يتطلبان نزع سلاح “حزب الله” وتفكيك بنيته العسكرية في مختلف المناطق اللبنانية، بينما شدد لبنان على ضرورة احترام الحدود المعترف بها دوليًا والتنفيذ الكامل لوقف الأعمال العدائية والحفاظ على سيادة الدولة ووحدة أراضيها.
واتفق الطرفان على استئناف المسارين السياسي والأمني خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 يونيو بهدف التوصل إلى اتفاق شامل، فيما تعهدت الولايات المتحدة بمواصلة تسهيل الاتصالات بين الجانبين خلال المرحلة الانتقالية.
التصعيد الميداني يتواصل رغم التفاهمات السياسية
ورغم التقدم الذي أحرزته المفاوضات، استمرت العمليات العسكرية المتبادلة بين قوات الاحتلال الإسرائيلي و”حزب الله” خلال الساعات الماضية، ما عكس هشاشة الوضع الميداني وصعوبة الانتقال الفوري إلى مرحلة التهدئة.
وقال المتحدث باسم جيش الاحتلال “أفيخاي أدرعي” عبر منصة “إكس”، إن العمليات العسكرية في جنوب لبنان ما زالت مستمرة، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي يواصل استهداف مواقع وبنى تحتية تابعة لـ”حزب الله” داخل القرى الجنوبية وفي محيطها.
كما وجّه “أدرعي” تحذيرات إخلاء جديدة لسكان المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني، مشيراً إلى استمرار استهداف ما وصفها بالبنى التحتية العسكرية التابعة للحزب في تلك المناطق.
#عاجل ‼️انذار عاجل إلى سكان جنوب لبنان!
🔸القتال في جنوب لبنان مستمر حيث يواصل جيش الدفاع استهداف منشآت وبنى حزب الله الموجودة في قراكم وبالقرب منها. جيش الدفاع لا ينوي المساس بكم.
🔸حرصًا على سلامتكم امتنعوا عن التوجه جنوبي نهر الزهراني حتى إشعار آخر!
🔸كل من يتوجه جنوبًا… pic.twitter.com/u2EAAv7FxU
— افيخاي ادرعي (@AvichayAdraee) June 4, 2026
إصابات وغارات في الجنوب اللبناني
من جهتها، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية بإصابة 3 أشخاص جراء استهداف سيارة في جنوب البلاد، كما تحدثت عن غارة جوية إسرائيلية استهدفت إحدى بلدات قضاء صور.
حزب الله يرد بالصواريخ والمسيّرات
وفي المقابل، أعلن “حزب الله” تنفيذ سلسلة عمليات عسكرية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الليل وصباح الخميس، مؤكداً استهداف تجمعات لجنود وآليات الجيش الإسرائيلي في عدة مواقع جنوب لبنان.
وقال “الحزب” إنه استهدف تجمعاً لآليات وجنود جيش الاحتلال في بلدة القنطرة بصاروخين ، كما أعلن تنفيذ هجوم بمسيرتين انقضاضيتين على تموضع قيادي لجيش الاحتلال في محيط قلعة الشقيف التاريخية، قبل أن يعلن لاحقاً استهداف تجمع آخر للقوات الإسرائيلية في القنطرة برشقة صاروخية إضافية.
وتعكس هذه التطورات استمرار الفجوة بين المسار السياسي الذي ترعاه الولايات المتحدة والمسار الميداني الذي لا يزال يشهد مواجهات متبادلة، فيما تتجه الأنظار إلى رد “حزب الله” على المقترحات المطروحة وإلى قدرة واشنطن على تحويل التفاهمات التي أُنجزت في المفاوضات إلى وقف فعلي وشامل لإطلاق النار يمهد لمرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية والسياسية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وسط رهانات متزايدة على نجاح الجهود الدولية في منع استمرار الحرب.
اقرأ أيضا: ترامب يؤكد خلافه مع نتنياهو وطهران تربط التهدئة في لبنان بالمفاوضات





