في ظل التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط، ومع إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز – أحد أهم المعابر المائية لتجارة الطاقة عالميًا – تتزايد المخاوف من اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد الدولية، وارتفاعات ملموسة في أسعار الطاقة والسلع، بما ينعكس بصورة مباشرة على اقتصادات الدول المنتجة والمستوردة على حد سواء.
يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يقارب 20% من النفط المنقول بحرًا عالميًا، فضلًا عن كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال ومواد خام أساسية لقطاعات صناعية متعددة.
ومع أي توقف أو تقييد لحركة الملاحة، ترتفع تكاليف الشحن البحري، وتتضاعف تعقيدات سلاسل التوريد، ما يخلق حالة من الانقطاع الفعلي في تدفقات السلع والطاقة عبر الأسواق.
وفي هذا السياق، أعلنت عدة شركات نقل بحري كبرى تعليق أو تقليص رحلاتها عبر المضيق، بينما أظهرت بيانات قطاع اللوجيستيات اتجاهًا متزايدًا لإعادة توجيه السفن عبر رأس الرجاء الصالح، وهو مسار يضيف أيامًا إلى زمن الرحلات ويرفع تكلفة الوقود والتشغيل، ما يوسع الفجوة بين العرض والطلب في عدد من الأسواق العالمية.
كما ارتفعت تكاليف التأمين البحري بنسبة تقترب من 50%، وفق تصريحات عمرو قطايا، رئيس شركة “Zenith Enterprise”، الذي حذر من أن الإغلاق الكامل والممتد لمضيق هرمز ستكون له تداعيات قاسية على قطاع النقل البحري وسلاسل الإمداد والتموين، لا سيما في ما يتعلق بالمنتجات الغذائية والسلع الأساسية. وتعكس هذه الزيادة في أقساط التأمين حجم المخاطر الجيوسياسية التي باتت تحيط بحركة التجارة في المنطقة، وما تفرضه من أعباء إضافية على التكلفة النهائية للسلع.
وأدى هذا المشهد المعقد إلى دعوات متزايدة من شركات الخدمات اللوجستية لتعزيز المرونة التشغيلية، سواء عبر تنويع المسارات، أو إعادة التفاوض على بنود العقود، أو إعادة تقييم استراتيجيات التخزين والتوزيع تحسبًا لسيناريوهات إطالة أمد الأزمة.
ولا يقتصر تأثير هذه الاضطرابات على أسواق الطاقة فحسب، بل يمتد إلى مؤشرات أسعار السلع الأساسية وسلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية، بما ينعكس على تكلفة المواد الخام والمنتجات النهائية. وقد بدأت الأسواق المالية بالفعل في استيعاب هذه المخاطر عبر موجات صعود في أسعار النفط خلال الأيام الماضية، وسط توقعات بمزيد من التقلبات إذا طال أمد الإغلاق.
التداعيات المباشرة على الاقتصاد المصري
تتابع مصر، بوصفها مركزًا لوجيستيًا محوريًا وممرًا رئيسيًا للتجارة العالمية عبر قناة السويس، تطورات الأزمة عن كثب. وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد حذر من أن أي إغلاق لمضيق هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة على تدفقات النفط العالمية، ويمثل تهديدًا لإيرادات قناة السويس التي تعتمد على حركة العبور البحري بما توفره من مليارات الدولارات سنويًا.
من جانبه، يرى الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي، أن أي ارتفاع في أسعار النفط أو الغاز سينعكس مباشرة على الاقتصاد المصري عبر عدة مسارات؛ في مقدمتها زيادة تكلفة الوقود محليًا، بما يؤدي إلى ارتفاع أسعار النقل والكهرباء، فضلًا عن الضغط على الموازنة العامة نتيجة تضخم الفاتورة البترولية، وزيادة تكلفة الغاز المستورد. كما أشار إلى احتمال تراجع عائدات قناة السويس إذا انخفضت حركة عبور ناقلات النفط القادمة من الخليج، إضافة إلى تأثير ارتفاع تكاليف النقل العالمية على تكلفة الواردات، خاصة السلع الاستهلاكية ومدخلات الإنتاج، ما يزيد الضغوط على الميزان التجاري.
وتتفق تقارير محلية حديثة مع هذا الطرح، إذ تشير إلى أن الارتفاع المحتمل في أسعار الطاقة قد يفرض ضغطًا إضافيًا على الموازنة العامة نتيجة زيادة فاتورة الاستيراد، مع احتمالات تراجع تنافسية الصادرات المصرية في حال استمرار ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة.
وفي قطاع النقل واللوجستيات، يتوقع أيمن شلبي، مدير شركة “MedBulk” لحلول الشحن، أن تؤثر إعادة توجيه المسارات وزيادة زمن الوصول على مكانة مصر كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا، خصوصًا إذا ارتفعت تكلفة العبور عبر قناة السويس مقارنة بالمسارات البديلة.
وأضاف أن شركات التأمين تعيد تقييم المخاطر بصورة مستمرة، ما انعكس في قفزات ملحوظة في وثائق تأمين مخاطر الحرب، التي كانت تدور حول 0.1% في الأوضاع الطبيعية، لتتجه نحو 1% أو أكثر في أوقات التصعيد. وأوضح أن التأمين لا يقتصر على هيكل السفينة، بل يشمل التشغيل وإيرادات الرحلة، وهو ما يضاعف الأعباء المالية على شركات الشحن.
وفي السياق ذاته، أشار مسؤول بإحدى شركات الشحن الدولية إلى أن الأسواق تشهد إعادة ترتيب واسعة لمسارات النقل لتعويض غياب المضيق، مع ارتفاع تقديرات التأخير في السلع الحساسة للوقت، بما يعني زيادة التكلفة وتأخر تسليم الشحنات. كما أكد الدكتور أحمد عبد الحافظ، رئيس مجلس إدارة شركة القناة للتوكيلات الملاحية، أن قطاع النقل البحري يعد الأكثر تأثرًا في المرحلة الراهنة، مع تداعيات مباشرة على استقرار حركة التجارة عبر الممرات الرئيسية.
ويرى محللون اقتصاديون أن تصاعد التوترات الجيوسياسية يعيد إلى الواجهة مسألة إعادة هيكلة سلاسل الإمداد عالميًا، وقد يدفع بعض الشركات إلى إعادة النظر في مواقع التصنيع ومصادر التوريد لتقليل الاعتماد على الممرات عالية المخاطر.
في المحصلة، يعكس إغلاق مضيق هرمز – إذا طال أمده – اختبارًا جديدًا لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات، فيما تجد مصر نفسها أمام معادلة دقيقة تجمع بين مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع بعض تدفقات التجارة من جهة، وفرص تعزيز دورها كمركز لوجيستي مرن وقادر على التكيف من جهة أخرى. وبين هذين المسارين، تظل إدارة المخاطر وتعزيز المرونة الاستراتيجية في سلاسل الإمداد عنصرًا حاسمًا في تقليل الخسائر واحتواء التداعيات.



