لم تكن ثورة 30 يونيو مجرد تحول سياسي، بل مثلت نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من إعادة بناء الاقتصاد المصري، عبر برنامج إصلاح شامل استهدف استعادة الاستقرار المالي، وتطوير البنية الأساسية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز دور القطاع الخاص، وعلى مدار السنوات الماضية، تبنت الدولة رؤية تنموية ارتكزت على زيادة الإنتاج، وجذب الاستثمارات، ورفع كفاءة البنية التحتية، بما عزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات العالمية وتحقيق معدلات نمو أكثر استدامة.
قبل عام 2013، واجه الاقتصاد المصري تحديات كبيرة تمثلت في تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى نحو 14.9 مليار دولار، وتباطؤ النمو، وانخفاض الاستثمارات، وأزمات متكررة في الطاقة، إلى جانب ضعف البنية الأساسية، وهو ما انعكس على النشاط الاقتصادي وفرص التشغيل.
ومع انطلاق برنامج الإصلاح، بدأت الدولة تنفيذ مشروعات قومية واسعة، إلى جانب إصلاحات مالية ونقدية وتشريعية أسهمت في تحسين بيئة الأعمال، ورفع كفاءة القطاعات الإنتاجية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود أمام تداعيات جائحة كورونا، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتوترات الجيوسياسية.
وشهد قطاع البترول والغاز تحولًا ملحوظًا، بعدما نجح خلال الفترة من يوليو 2024 حتى يونيو 2026 في وقف تراجع الإنتاج لأول مرة منذ أربع سنوات، مع إضافة 591 بئرًا جديدة، أسهمت في إنتاج نحو 1.6 مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز الطبيعي و280 ألف برميل يوميًا من الزيت الخام والمتكثفات، فضلًا عن تحقيق 113 كشفًا جديدًا، وسداد مستحقات الشركاء الأجانب، وطرح أكثر من 70 فرصة استثمارية باستثمارات مرتقبة تتجاوز 17 مليار دولار.
وانعكست الإصلاحات الاقتصادية على مناخ الاستثمار، إذ تصدرت مصر الدول الأفريقية في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بالتزامن مع تطوير التشريعات، وتبسيط الإجراءات، والتوسع في مشروعات البنية الأساسية، بما دعم تنافسية الاقتصاد وزاد من مساهمة القطاع الخاص.
وامتدت جهود التطوير إلى البنية التحتية، من خلال إنشاء أكثر من 7 آلاف كيلومتر من الطرق الجديدة، وتطوير الموانئ والمناطق اللوجستية، بما خفض تكاليف النقل وساهم في دعم حركة التجارة والاستثمار.
وفي الوقت نفسه، حققت المالية العامة تطورًا ملحوظًا بالانتقال من العجز الأولي إلى تحقيق فوائض أولية متتالية، مع استهداف الوصول بالفائض الأولي إلى 5% من الناتج المحلي خلال العام المالي 2026/2027، بالتوازي مع التوسع في توطين الصناعات الاستراتيجية، ودعم الإنتاج المحلي، وتعزيز الصادرات، التي تستهدف الدولة رفعها إلى 145 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030.
كما ارتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى 53.1 مليار دولار بنهاية مايو 2026، وهو أعلى مستوى في تاريخه، فيما سجل الاقتصاد المصري معدل نمو بلغ 5.2% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026، بما يعكس استمرار تحسن الأداء الاقتصادي.
وقال الدكتور عمرو سليمان، أستاذ الاقتصاد: إن ما حققته الدولة منذ ثورة 30 يونيو جاء ثمرة تبني رؤية تنموية متكاملة، ارتكزت على تنفيذ برنامج للإصلاح الاقتصادي، وتطوير البنية الأساسية، وإطلاق المشروعات القومية، وهو ما انعكس بصورة واضحة على تحسن المؤشرات الاقتصادية، وزيادة جاذبية السوق المصرية للاستثمارات، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات، إلى جانب تنويع الشراكات الاقتصادية مع مختلف القوى العالمية.
وأضاف سليمان، في تصريح خاص لـ”البورصجية”: أن المؤشرات الاقتصادية الحالية تؤكد أن التحول الذي شهده الاقتصاد المصري منذ ثورة 30 يونيو لم يكن مجرد استجابة لتحديات فرضتها المرحلة السابقة، بل مثل إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد الوطني، استندت إلى تعزيز أمن الطاقة، وتحديث البنية الأساسية، وتحسين مناخ الاستثمار، ودعم الصناعة والصادرات.
وأوضح، أن هذه السياسات أسهمت في زيادة مرونة الاقتصاد المصري في مواجهة الصدمات الخارجية، ورسخت مكانته كأحد أكبر الاقتصادات وأكثرها تنوعًا في القارة الأفريقية، مع استمرار العمل على تحقيق نمو اقتصادي يقوده الاستثمار والإنتاج والقطاع الخاص.







