يترقب القطاع المصرفي صدور قرار جمهوري بتجديد تكليف حسن عبد الله قائمًا بأعمال محافظ البنك المركزي المصري، مع اقتراب انتهاء مدة تكليفه الحالية في 18 أغسطس المقبل، ليواصل قيادة البنك المركزي للعام الخامس على التوالي.
وتولى حسن عبد الله المنصب في أغسطس 2022 خلفًا لطارق عامر، الذي تقدم باستقالته قبل انتهاء ولايته الثانية، في توقيت واجه فيه الاقتصاد المصري تحديات غير مسبوقة، تمثلت في ارتفاع معدلات التضخم، ونقص النقد الأجنبي، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدولار والسوق الموازية، إلى جانب ضغوط على ميزان المدفوعات وارتفاع تكلفة التمويل عالميًا.
ومنذ ذلك الحين، تصدرت ملفات استقرار سوق الصرف، والسيطرة على التضخم، وإدارة السياسة النقدية، وتعزيز الاحتياطي من النقد الأجنبي، أولويات البنك المركزي، بالتنسيق مع الحكومة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي.
خبرة مصرفية تمتد لعقود
يمتلك حسن عبد الله خبرة طويلة في العمل المصرفي، إذ شغل منصب الرئيس التنفيذي للبنك العربي الأفريقي الدولي لنحو 16 عامًا، وهي الفترة التي شهدت توسع البنك في أنشطته وتطوير خدماته ومنتجاته المصرفية.
كما تولى في عام 2021 رئاسة مجلس إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، قبل أن يستقيل من المنصب في أغسطس 2022 لتولي مسؤولية إدارة البنك المركزي في واحدة من أكثر الفترات تحديًا بالنسبة للاقتصاد المصري.
إدارة أزمة سوق الصرف
كان ملف سوق الصرف من أبرز التحديات التي واجهها البنك المركزي خلال السنوات الماضية، في ظل اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدولار والسعر المتداول في السوق الموازية نتيجة نقص المعروض من العملات الأجنبية.
وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي تطبيق نظام أكثر مرونة لسعر الصرف، في خطوة هدفت إلى توحيد سوق النقد الأجنبي وترك تحديد سعر الجنيه وفقًا لآليات العرض والطلب.
وأدى القرار إلى تقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، كما ساهم في زيادة تدفقات العملات الأجنبية إلى القطاع المصرفي، وتحسن قدرة البنوك على توفير الدولار لعمليات الاستيراد والاحتياجات المختلفة.
ورغم التقلبات التي شهدها سعر صرف الجنيه عقب القرار، فإن السوق استقرت تدريجيًا مع تحسن موارد النقد الأجنبي ودخول استثمارات وتمويلات جديدة.
برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي
لعب البنك المركزي دورًا رئيسيًا، بالتعاون مع الحكومة، في استكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي.
وخلال عام 2024، وافق الصندوق على زيادة قيمة البرنامج التمويلي لمصر من 3 مليارات دولار إلى 8 مليارات دولار، بالتزامن مع اعتماد المراجعات المؤجلة، بعد تنفيذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والنقدية.
وأشادت بعثات الصندوق في تقاريرها الدورية بالتقدم المحرز في تطبيق نظام سعر صرف أكثر مرونة، وتشديد السياسة النقدية، وتعزيز دور القطاع الخاص، مع التأكيد على أهمية استمرار الإصلاحات لضمان استدامة الاستقرار الاقتصادي.
معركة التضخم
شهد الاقتصاد المصري خلال عامي 2022 و2023 موجة تضخمية دفعت معدل التضخم إلى مستويات تاريخية، نتيجة تداعيات الأزمات العالمية، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وانخفاض قيمة العملة المحلية.
وردًا على ذلك، انتهج البنك المركزي سياسة نقدية متشددة، تضمنت رفع أسعار الفائدة عدة مرات بهدف احتواء التضخم وتقليص السيولة.
ومع بدء تراجع الضغوط التضخمية خلال عامي 2025 و2026، بدأ البنك المركزي دورة جديدة من خفض أسعار الفائدة، بعد أن أظهرت المؤشرات تحسنًا تدريجيًا في معدلات التضخم واستقرارًا نسبيًا في الأسواق.
تخفيف قيود الاستيراد
أدى تحسن توافر النقد الأجنبي إلى إنهاء عدد من الإجراءات الاستثنائية التي كانت مطبقة خلال أزمة العملة.
فقد ألغى البنك المركزي العمل بنظام الاعتمادات المستندية الإلزامية، وعاد إلى نظام مستندات التحصيل، كما منح البنوك مرونة أكبر في تمويل عدد من الواردات التي كانت تتطلب موافقات مسبقة.
وساعدت هذه الإجراءات على تسهيل حركة التجارة الخارجية وتقليل فترات انتظار الإفراج عن البضائع بالموانئ.
انفراجة في استخدام البطاقات
شهدت الفترة الأخيرة تخفيفًا تدريجيًا للقيود المفروضة على استخدام بطاقات الائتمان خارج مصر، سواء في أثناء السفر أو في عمليات الشراء الإلكتروني من الخارج.
كما رفعت عدة بنوك الحدود القصوى لاستخدام البطاقات، وخفضت رسوم المعاملات الدولية، بعد تحسن توافر النقد الأجنبي داخل الجهاز المصرفي.
احتياطي النقد الأجنبي يسجل مستوى قياسيًا
واصل احتياطي النقد الأجنبي تسجيل مستويات قياسية خلال فترة تولي حسن عبد الله، متجاوزًا 55 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، وفقًا لبيانات البنك المركزي.
وجاءت هذه الزيادة مدعومة بتدفقات استثمارية كبيرة، وفي مقدمتها صفقة تطوير مشروع رأس الحكمة، إضافة إلى التمويلات الدولية، وعودة تدفقات المحافظ الاستثمارية، وتحسن إيرادات عدد من مصادر النقد الأجنبي.
ويعد الاحتياطي أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها البنك المركزي في تعزيز استقرار سوق الصرف، وتلبية احتياجات الدولة من العملات الأجنبية.
تحول صافي الأصول الأجنبية
شهد القطاع المصرفي تحولًا ملحوظًا في صافي الأصول الأجنبية، بعدما انتقل من تسجيل عجز خلال مطلع عام 2024 إلى تحقيق فائض، نتيجة تحسن تدفقات النقد الأجنبي وارتفاع السيولة الدولارية لدى البنوك.
ويعد هذا المؤشر من أهم أدوات قياس قدرة الجهاز المصرفي على الوفاء بالتزاماته الخارجية، كما يعكس تحسن مركزه المالي مقارنة بالفترة التي سبقت الإصلاحات الاقتصادية.
تحديات لا تزال قائمة
ورغم التحسن الذي شهدته العديد من المؤشرات الاقتصادية، لا تزال السياسة النقدية تواجه تحديات تتعلق بالحفاظ على استقرار الأسعار، واستمرار جذب التدفقات الأجنبية، وإدارة أسعار الفائدة في ظل التطورات الاقتصادية العالمية.
كما يظل تحقيق توازن بين دعم النمو الاقتصادي والسيطرة على التضخم أحد أبرز الملفاتالتي سيواصل البنك المركزي التعامل معها خلال المرحلة المقبلة.
ترقب قرار التجديد
ومع اقتراب انتهاء مدة التكليف الحالية، تتجه أنظار القطاع المصرفي إلى القرار الجمهوري المنتظر بشأن تجديد تكليف حسن عبد الله قائمًا بأعمال محافظ البنك المركزي.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الاقتصاد المصري استمرار تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، وسط متابعة من المؤسسات الدولية للأسواق المصرية، وترقب لقرارات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، في ضوء تطورات معدلات التضخم، وأسعار الفائدة، وسوق الصرف.







