«معايشة» داخل مشروع يصنع ‏مستقبل الطاقة بسواعد مصرية.. «البورصجية» داخل محطة الضبعة النووية

«معايشة» داخل مشروع يصنع ‏مستقبل الطاقة بسواعد مصرية.. «البورصجية» داخل محطة الضبعة النووية
مشاركة المقال:
حجم الخط:

لم تكن زيارة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي إلى موقع محطة ‏الضبعة النووية مجرد جولة تفقدية لمتابعة تقدم الأعمال، وبدء تركيب وعاء ضغط ‏المفاعل بالوحدة النووية الثانية، بل كانت فرصة لمعايشة واحدة من أكبر ‏المشروعات القومية التي تشهدها مصر في تاريخها الحديث، حيث تتداخل حركة ‏المعدات العملاقة مع جهود الاف المهندسين والفنيين والعمال الذين يعملون على ‏مدار الساعة لإنجاز حلم امتلكته الدولة لعقود، وأصبح اليوم واقع يتشكل أمام ‏الأعين.‏

منذ اللحظة الأولى لدخولي موقع المشروع، بدعوة من هيئة المحطات النووية لتوليد ‏الكهرباء لحضور مراسم بدء تركيب وعاء ضغط المفاعل بالوحدة النووية الثانية، ‏لفت انتباهي حجم الحركة داخل المحطة، عشرات الرافعات، ومعدات الإنشاء ‏الثقيلة، وفرق العمل المصرية والروسية المنتشرة في مختلف المواقع، جميعها ‏تتحرك وفق جدول زمني دقيق يعكس حجم الانضباط الذي يحكم تنفيذ المشروع ‏النووي الأول في مصر.‏

وكان الحدث الأبرز خلال الزيارة هو بدء تركيب وعاء ضغط المفاعل بالوحدة ‏النووية الثانية، وهو الهدف الرئيسي من الزيارة، وهي إحدى أهم المراحل ‏الإنشائية في المشروع، لما يمثله الوعاء من القلب الرئيسي للمفاعل النووي، حيث ‏تتم داخله عملية إنتاج الطاقة، ولحظة إنزال الوعاء العملاق داخل مبنى الاحتواء ‏بدقة متناهية جسدت حجم التكنولوجيا المستخدمة، ومستوى الكفاءة التي وصلت ‏إليها الكوادر العاملة بالمشروع، خاصة مع المشاركة الواسعة للمهندسين والفنيين ‏المصريين في تنفيذ هذه المرحلة الدقيقة.‏

وخلال الجولة، بدا واضحا أن المشروع تجاوز مرحلة الإنشاءات التقليدية، ليدخل ‏مرحلة تركيب المعدات النووية الرئيسية، وهو ما يعكس التقدم المستمر في تنفيذ ‏الوحدات الأربع وفق البرنامج الزمني المحدد، ويؤكد أن حلم دخول مصر نادي ‏الدول المالكة لمحطات الطاقة النووية السلمية أصبح أقرب إلى الواقع من أي وقت ‏مضى.‏

لكن المشهد لم يتوقف عند أسوار المحطة، فخارجها تتشكل مدينة جديدة تحمل اسم ‏‏”نواة”، أصبحت نموذج لمدينة متكاملة أنشئت لخدمة العاملين بالمشروع وأسرهم، ‏وتحولت في سنوات قليلة إلى مجتمع عمراني متكامل يضم كل مقومات الحياة ‏الحديثة.‏

في شوارع المدينة تبدو الصورة مختلفة، طرق واسعة ومنظمة، وحدات سكنية ‏حديثة، مساحات خضراء، ومباني خدمية وتعليمية وصحية، بما يعكس فلسفة الدولة ‏في أن المشروعات القومية لا تقتصر على إنشاء منشأة إنتاجية فقط، وإنما تمتد ‏لبناء مجتمع متكامل يوفر حياة كريمة للعاملين.‏

وخلال التجول داخل المدينة، يبرز المستشفى الحديث المجهز بأحدث الإمكانات ‏الطبية، إلى جانب المدارس، والمراكز الخدمية، والمناطق التجارية، والمرافق ‏الرياضية والترفيهية كالنادي الذى قمنا بزيارته، بما يجعل “نواة” مدينة نابضة ‏بالحياة وليست مجرد تجمع سكني مؤقت مرتبط بالمشروع.‏

ويؤكد العاملون بالموقع أن المدينة أسهمت في توفير بيئة مستقرة للعاملين، ووفرت ‏الخدمات الأساسية التي يحتاجون إليها بالقرب من مواقع العمل، وهو ما انعكس ‏بصورة مباشرة على رفع معدلات الإنجاز وتحسين جودة الحياة اليومية، خاصة مع ‏وجود الاف العاملين الذين يشاركون في تنفيذ المشروع.‏

وتكشف الزيارة حجم الاعتماد المتزايد على الكفاءات المصرية، سواء في أعمال ‏الإنشاء أو التركيب أو التشغيل التجريبي لبعض الأنظمة المساندة، بعد سنوات من ‏برامج التدريب والتأهيل داخل مصر وخارجها، وهو ما يعكس نجاح استراتيجية ‏توطين التكنولوجيا النووية وإعداد كوادر وطنية قادرة على إدارة هذا القطاع ‏الحيوي.‏

ولم يكن من الصعب ملاحظة حالة الفخر التي ترتسم على وجوه العاملين ‏بالمشروع، فكل منهم يدرك أنه يشارك في كتابة فصل جديد من تاريخ الصناعة ‏والطاقة في مصر، وأن ما يتم إنجازه اليوم سيظل لعقود أحد أهم مصادر إنتاج ‏الكهرباء النظيفة، فضلا عن دوره في نقل التكنولوجيا وخلق فرص عمل وتنمية ‏الساحل الشمالي الغربي.‏

وبينما كانت الرافعات تواصل عملها داخل موقع الوحدة الثانية، كانت مدينة “نواة” ‏تواصل استقبال سكانها وخدماتها اليومية، في مشهد يجسد كيف يمكن لمشروع ‏استراتيجي أن يغير ملامح منطقة بأكملها، ويحولها إلى مجتمع متكامل يواكب ‏تطلعات الجمهورية الجديدة، ويؤكد أن حلم الطاقة النووية السلمية لم يعد مجرد ‏مخطط على الورق، بل واقع يتشكل يوم بعد يوم بسواعد مصرية، استعدادا لدخول ‏عصر جديد من إنتاج الكهرباء النظيفة والتنمية المستدامة.‏

مقالات مقترحة

عرض الكل