تشهد الساحة الاقتصادية المصرية مرحلة مهمة تتداخل فيها التحديات المحلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية، ما يجعل توقعات المؤسسات المالية العالمية محل اهتمام واسع من قبل المستثمرين وصناع القرار والمتابعين للشأن الاقتصادي.
وكشفت توقعات بنك ستاندرد تشارترد عن صورة متوازنة للاقتصاد المصري، تجمع بين فرص التعافي والنمو من جهة، واستمرار التحديات المرتبطة بالتضخم وتقلبات الأسواق العالمية من جهة أخرى.
وبينما تشير التقديرات إلى تحسن معدل النمو خلال العام المالي المقبل، فإن نجاح الاقتصاد في تحقيق هذه التوقعات سيعتمد على استمرار الإصلاحات الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، فضلًا عن تأثير التطورات الإقليمية والدولية على مختلف القطاعات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، توقع بدر الصراف، المحلل الاقتصادي في بنك ستاندرد تشارترد، أن يسجل الاقتصاد المصري معدل نمو يبلغ نحو 3.6% خلال العام المالي الجاري، على أن يرتفع إلى 4.7% خلال العام المالي المقبل، في إشارة إلى استمرار تعافي الاقتصاد رغم الضغوط التي يواجهها.
وتأتي هذه التوقعات في وقت تسعى فيه الحكومة المصرية إلى تعزيز معدلات النمو الاقتصادي وزيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية، مستفيدة من الإصلاحات الاقتصادية التي تم تنفيذها خلال السنوات الماضية.
وتتزامن مع استمرار التحديات المرتبطة بمعدلات التضخم المرتفعة، وتقلبات الأسواق العالمية، والتوترات الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على اقتصادات المنطقة.
شهد الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة نتيجة تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي واسع النطاق استهدف تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الصدمات الخارجية.
وأسهمت هذه الإصلاحات في تحقيق معدلات نمو مرتفعة قبل جائحة كورونا، إلا أن الاقتصاد واجه بعد ذلك سلسلة من التحديات العالمية شملت تداعيات الجائحة، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عقب الحرب الروسية الأوكرانية، بالإضافة إلى تشديد السياسات النقدية عالميًا.
ورغم هذه التحديات، أظهرت بيانات الناتج المحلي الإجمالي تحسنًا ملحوظًا خلال العام المالي الماضي، حيث ارتفع معدل النمو إلى 4.4% مقارنة بـ2.4% في العام المالي السابق له، وهو ما يعكس قدرة الاقتصاد على استعادة جزء من زخمه تدريجيًا.
وتستهدف الحكومة الوصول إلى معدل نمو يبلغ 5% خلال العام المالي الحالي من خلال التوسع في الاستثمارات وتحفيز القطاع الخاص.
توقعات النمو الاقتصادي
ويرى الصراف أن النمو الاقتصادي المصري سيتباطأ نسبيًا إلى 3.6% خلال العام المالي الجاري قبل أن يعود للارتفاع إلى 4.7% خلال العام المالي المقبل.
ويعكس هذا التقدير تأثير الظروف الاقتصادية الحالية، خاصة الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف التمويل وتراجع بعض مصادر النقد الأجنبي خلال فترات التوتر الإقليمي.
ومع ذلك، أشار المحلل الاقتصادي إلى أن أداء الاقتصاد المصري لا يزال أفضل نسبيًا مقارنة ببعض اقتصادات المنطقة، وهو ما يعكس حجم السوق المصرية وتنوع مصادر النشاط الاقتصادي، بما يشمل قطاعات الصناعة والخدمات والسياحة والاتصالات والطاقة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتحسين مناخ الاستثمار، يمكن أن يدعم معدلات النمو خلال السنوات المقبلة ويزيد من قدرة الاقتصاد على جذب رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة.
التضخم.. التحدي الأكبر
يظل التضخم أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري خلال الفترة الحالية. فقد أدى ارتفاع الأسعار العالمية وتراجع قيمة العملة المحلية خلال فترات سابقة إلى زيادة تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وتوقع الصراف أن يتراوح متوسط معدل التضخم بين 13% و14% خلال العام المالي الحالي، على أن يرتفع إلى ما بين 14% و15% خلال العام المالي المقبل. وتأتي هذه التوقعات رغم تراجع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية خلال الأشهر الأخيرة، حيث سجل 14.6% في مايو مقابل 14.9% في أبريل.
ويُرجع عدد من المحللين استمرار الضغوط التضخمية إلى عوامل متعددة، من بينها تأثير أسعار الطاقة والنقل، وارتفاع تكاليف الإنتاج، بالإضافة إلى انعكاسات التوترات الإقليمية على حركة التجارة وسلاسل الإمداد. كما أن أي ارتفاع جديد في أسعار السلع العالمية قد ينعكس بصورة مباشرة على الأسواق المحلية.
السياسة النقدية وأسعار الفائدة
في ظل استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة نسبيًا، توقع الصراف أن يبقي البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير خلال الفترة المتبقية من العام الجاري. ويهدف هذا التوجه إلى منح صانعي السياسة النقدية فرصة لمراقبة تطورات التضخم والتأكد من استقرار الاتجاه النزولي للأسعار قبل اتخاذ قرارات جديدة بشأن خفض الفائدة.
وتلعب أسعار الفائدة دورًا محوريًا في الاقتصاد المصري، إذ تسهم المستويات المرتفعة في جذب المستثمرين الأجانب إلى أدوات الدين الحكومية، لكنها في المقابل ترفع تكلفة الاقتراض على الشركات والأفراد، ما قد يؤثر على وتيرة الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
ويرى خبراء أن تحقيق التوازن بين مكافحة التضخم ودعم النمو الاقتصادي يمثل أحد أهم التحديات أمام السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
تدفقات رؤوس الأموال وتأثير الأوضاع الإقليمية
قدّر الصراف حجم خروج رؤوس الأموال الأجنبية من أذون الخزانة المحلية بنحو 10 إلى 12 مليار دولار خلال فترة التوترات الأخيرة. وتُعرف هذه الاستثمارات باسم “الأموال الساخنة”، وهي استثمارات قصيرة الأجل تتأثر بسرعة بالتغيرات السياسية والاقتصادية.
إلا أن الأسواق المصرية أظهرت قدرة على استعادة جزء من هذه التدفقات بعد استيعاب الصدمات الأولية الناتجة عن الأحداث الجيوسياسية. ويعكس ذلك استمرار ثقة شريحة من المستثمرين في قدرة الاقتصاد المصري على تجاوز التحديات الحالية.
وتظل تدفقات الاستثمار الأجنبي عنصرًا أساسيًا في دعم احتياطيات النقد الأجنبي وتعزيز استقرار سوق الصرف، ما يجعل جذب الاستثمارات طويلة الأجل هدفًا استراتيجيًا للحكومة المصرية.
مستقبل سعر الصرف
فيما يتعلق بسعر صرف الجنيه المصري، توقع الصراف تحسن العملة المحلية خلال الفترة المقبلة إذا تراجعت حدة الصراعات الإقليمية، مشيرًا إلى إمكانية انخفاض سعر الدولار إلى نحو 49 جنيهًا بنهاية العام الجاري.
. ويعكس ذلك استمرار ثقة شريحة من المستثمرين في قدرة الاقتصاد المصري على تجاوز التحديات الحالية.
وتظل تدفقات الاستثمار الأجنبي عنصرًا أساسيًا في دعم احتياطيات النقد الأجنبي وتعزيز استقرار سوق الصرف، ما يجعل جذب الاستثمارات طويلة الأجل هدفًا استراتيجيًا للحكومة المصرية.
فيما يتعلق بسعر صرف الجنيه المصري، توقع الصراف تحسن العملة المحلية خلال الفترة المقبلة إذا تراجعت حدة الصراعات الإقليمية، مشيرًا إلى إمكانية انخفاض سعر الدولار إلى نحو 49 جنيهًا بنهاية العام الجاري


