حين تصبح البيانات ثروة وطنية.. كيف تبني مصر درعها السيبراني؟

حين تصبح البيانات ثروة وطنية.. كيف تبني مصر درعها السيبراني؟

الهجمات السيبرانية

مشاركة المقال:
حجم الخط:

في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي عالميًا، وتزداد فيه قيمة البيانات باعتبارها أحد أهم الأصول الاقتصادية في العصر الحديث، تتجه مصر إلى تعزيز منظومتها الوطنية للأمن السيبراني باعتبارها ركيزة أساسية بهدف حماية الاقتصاد الرقمي وضمان استدامة الخدمات الرقمية وتعزيز السيادة الوطنية على الفضاء المعلوماتي، في إطار رؤية شاملة تتبناها الدولة لمواكبة التحولات التقنية المتسارعة وما تفرضه من تحديات وفرص جديدة.

وخلال مشاركته في الجلسة الافتتاحية للدورة الخامسة من مؤتمر ومعرض أمن المعلومات والأمن السيبراني «CAISEC 2026»، أكد المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أن مصر تتبنى رؤية متكاملة لبناء فضاء رقمي آمن، ترتكز على تطوير السياسات، وتعزيز الجاهزية الفنية، وتنمية الكفاءات البشرية، ودعم الابتكار، مشيرًا إلى أن الدولة تواصل تنفيذ الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني (2023-2027)، التي تمثل الإطار الوطني لتعزيز حماية البنية التحتية الرقمية ورفع مستويات الجاهزية والاستجابة للتهديدات السيبرانية.

وأوضح الوزير أن الدولة بدأت بالفعل الأعمال التمهيدية للإعداد للإصدار الثالث من الاستراتيجية الوطنية، بما يضمن مواكبة التطورات العالمية المتسارعة، والاستعداد للتحديات والفرص التي تفرضها التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة.

وأكد أن التكنولوجيا الرقمية أصبحت واقعًا أصيلًا في بنية الاقتصادات الحديثة وآليات عمل الحكومات والمجتمعات، لافتًا إلى أن البيانات باتت العنصر الأهم في إنتاج القيمة الاقتصادية وصنع القرار ودعم الابتكار، وهو ما يجعل قضايا الأمن السيبراني تتجاوز مفهوم حماية الشبكات والأنظمة إلى حماية الثقة في الاقتصاد الرقمي وضمان استمرارية الخدمات وصون الأصول الرقمية.

وفي هذا السياق، شدد الوزير على أن حماية البنية التكنولوجية والمقدرات الرقمية أصبحت في قلب قضايا الأمن القومي، موضحًا أن مفهوم السيادة الرقمية برز كأحد المقومات الرئيسية لحماية المصالح الوطنية وتعزيز جاهزية الدول للمستقبل.

وتتوافق هذه الرؤية مع ما أكده عدد من الخبراء والمتخصصين المشاركين في فعاليات المؤتمر، الذين أشاروا إلى أن الأمن السيبراني لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في حماية الاقتصاد الرقمي واستدامة النمو وجذب الاستثمارات.

وقال المهندس محمد المفتي، رئيس مجلس إدارة شركة ICT Misr، إن الأمن السيبراني تحول إلى ركيزة رئيسية بهدف حماية الاقتصاد الرقمي ودعم استقرار الأعمال وتسريع التحول الرقمي، مؤكدًا أن منظومات الحماية يجب أن تكون جزءًا من مرحلة التخطيط للمشروعات الرقمية منذ البداية، وليس مجرد خطوة لاحقة بعد ظهور المخاطر.

وأضاف أن مفهوم الأمن السيبراني شهد تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، فلم يعد مقتصرًا على حماية الشبكات، بل امتد ليشمل البنية التحتية الرقمية، وإدارة الهوية، والبريد الإلكتروني، والبيئات السحابية، والأنظمة الصناعية، ومراكز العمليات الأمنية، وهو ما يتطلب تبني رؤية متكاملة وشاملة للحماية.

وتبرز أهمية هذا التوجه في ظل الاعتماد المتزايد على البيانات والتطبيقات الذكية. ففي كلمته خلال المؤتمر، أكد المهندس رأفت هندي أن مراكز البيانات أصبحت تمثل شرايين الاقتصاد الرقمي، تمامًا كما مثلت الطرق والموانئ والمطارات شرايين الاقتصاد التقليدي لعقود طويلة، مشيرًا إلى أن مصر تواصل جهودها لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للبيانات والخدمات الرقمية من خلال تطوير البنية التحتية وتشجيع الاستثمارات في مراكز البيانات والحوسبة السحابية.

كما أشار الوزير إلى أن التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، تفرض واقعًا جديدًا على منظومات الأمن السيبراني، إذ توفر فرصًا كبيرة لتعزيز قدرات الرصد والاستجابة للتهديدات، لكنها في الوقت نفسه تخلق تحديات متزايدة تتعلق بحماية البيانات والأصول الرقمية.

ومن جانبه، أوضح الدكتور محمد محسن رمضان، خبير الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية، أن البيانات أصبحت “بترول العصر الحديث” ووقود الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن التطور الكبير الذي شهدته تطبيقات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة جاء نتيجة التوسع الهائل في جمع البيانات وتحليلها.

وحذر رمضان من مخاطر ما يعرف بـ”تسميم البيانات”، والذي يتمثل في إدخال بيانات مضللة إلى أنظمة التدريب الخاصة بالذكاء الاصطناعي، بما قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة أو منحازة، فضلًا عن المخاوف المتزايدة المتعلقة بالخصوصية الرقمية وجمع البيانات الشخصية وتحليل السلوك الرقمي للمستخدمين.

وفي الإطار ذاته، أكد المشاركون في إحدى الجلسات المتخصصة ضمن مؤتمر CAISEC 2026 أن نجاح المؤسسات في الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لا يتوقف على امتلاك التكنولوجيا فقط، بل يتطلب إعادة تصميم العمليات التشغيلية وتطوير مهارات العاملين وبناء ثقافة مؤسسية قادرة على استيعاب التحول الرقمي.

وأشار الخبراء إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مهمة لدعم مراكز العمليات الأمنية وتحسين سرعة اكتشاف التهديدات وتحليلها، مع التأكيد على أن العنصر البشري سيظل العامل الحاسم في توجيه هذه التقنيات والتحقق من مخرجاتها واتخاذ القرارات النهائية.

وفي هذا الإطار، أكد محمد سُكّر، استشاري الأمن السيبراني بشركة Exabeam، أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي دور محللي الأمن السيبراني، بل سيسهم في تعزيز كفاءة فرق الاستجابة للحوادث من خلال أتمتة المهام المتكررة وتحليل كميات ضخمة من البيانات والتنبيهات الأمنية.

كما شدد أحمد نادر، قائد مراكز العمليات الأمنية لمنطقة الشرق الأوسط بشركة Liquid C2، على أهمية التعاون بين فرق الذكاء الاصطناعي وفرق الأمن السيبراني، مؤكدًا أن المؤسسات أصبحت بحاجة إلى أدوات أكثر تطورًا لتحليل البيانات واكتشاف مؤشرات التهديد في مراحل مبكرة.

وتولي الدولة المصرية اهتمامًا خاصًا ببناء القدرات البشرية باعتبارها أحد أهم عناصر الأمن الرقمي. وفي هذا الصدد، أكد وزير الاتصالات أن العنصر البشري يمثل حجر الأساس في منظومة الأمن السيبراني، مستعرضًا عددًا من المبادرات الوطنية الهادفة إلى إعداد الكوادر المتخصصة، وفي مقدمتها مبادرات “أجيال مصر الرقمية” و”الرواد الرقميون” و”أكاديمية الأمن السيبراني للنشء” ومنصة “مهارة تك”.

كما أشار إلى إطلاق منصة “واعي.نت” بالتعاون مع المجلس القومي للطفولة والأمومة والأمم المتحدة، بهدف تعزيز الوعي بالمواطنة الرقمية والسلامة على الإنترنت، وترسيخ ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا بين مختلف فئات المجتمع.

ويتسق ذلك مع ما أكده هاني دنيا، خبير تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني، الذي أوضح أن الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني ترتكز على مجموعة من المحاور الرئيسية تشمل تطوير التشريعات، ونشر الوعي المجتمعي، وبناء الشراكات الوطنية، وتعزيز القدرات الدفاعية، ودعم البحث العلمي، والتعاون الدولي.

وأشار إلى أن الأمن السيبراني أصبح جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن القومي، لافتًا إلى أهمية التعاون الدولي في تبادل الخبرات ومؤشرات الاختراق والتصدي للهجمات الإلكترونية التي باتت تتجاوز الحدود الجغرافية للدول.

وفي سياق متصل، كشف المهندس رأفت هندي أن الدولة اعتمدت 45 شركة كمقدمي خدمات أمن سيبراني، في إطار جهودها لتنمية سوق الأمن السيبراني ودعم الشركات الوطنية العاملة في هذا المجال، بما يسهم في رفع جودة الخدمات وتعزيز الثقة في السوق المصرية.

واختتم الوزير كلمته بالتأكيد على أن الطبيعة العابرة للحدود للفضاء الرقمي تجعل من التعاون الدولي والإقليمي ضرورة لا غنى عنها، موضحًا أن مستقبل الأمن السيبراني لن يُبنى بالحلول التقنية وحدها، بل من خلال الشراكات الفاعلة وتبادل الخبرات والاستثمار في الإنسان والاستعداد المستمر للتغيرات التقنية المتسارعة.

مقالات مقترحة

عرض الكل