تشهد أسعار الذهب خلال الفترة الحالية موجة تراجع أثارت اهتمام المستثمرين والمدخرين، في ظل تغيرات متسارعة بالاقتصاد العالمي وتحولات في توجهات الأسواق المالية.
وبينما يرى خبراء أن المعدن الأصفر يمر بمرحلة تصحيح مؤقتة، يؤكدون أن الذهب لا يزال يحتفظ بجاذبيته كملاذ آمن وأداة ادخارية طويلة الأجل، رغم الضغوط التي فرضتها سياسات أسعار الفائدة والتطورات الجيوسياسية الأخيرة.
قال الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، إن التراجع الحالي في أسعار الذهب يرتبط بشكل مباشر بالمتغيرات الاقتصادية العالمية، موضحًا أن ارتفاع أسعار الفائدة في العديد من الاقتصادات الكبرى دفع المستثمرين إلى تفضيل السندات وأدوات الدين ذات العائد المرتفع على حساب الاستثمار في الذهب.
وأضاف بدرة أن الأسواق العالمية تتابع باهتمام احتمالات استمرار البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في تبني سياسات نقدية متشددة لمواجهة الضغوط التضخمية، وهو ما ساهم في تحويل جزء من الاستثمارات نحو الأصول المدرة للعائد.
الذهب ما زال حاضرًا في احتياطيات البنوك المركزية
وأوضح بدرة أن البنوك المركزية حول العالم لا تزال تنظر إلى الذهب باعتباره أحد الأصول الاستراتيجية المهمة، مؤكدًا استمرار العديد منها في زيادة احتياطياتها من المعدن الأصفر، رغم لجوء بعض الدول إلى بيع أجزاء محدودة من مخزونها لتوفير السيولة.
وأشار إلى أن البنك المركزي التركي يعد من أبرز الأمثلة على ذلك، بعدما اتجه إلى بيع جزء من احتياطياته الذهبية للتعامل مع ضغوط اقتصادية ومالية داخلية.
فرصة للشراء وتحذير من المضاربة
وأكد الخبير الاقتصادي أن التراجع الحالي في أسعار الذهب يبدو مؤقتًا وليس اتجاهًا طويل الأجل، متوقعًا عودة الأسعار إلى الارتفاع مع أي تغيرات في المشهد الجيوسياسي أو الاقتصادي العالمي.
وقال بدرة إن الذهب يظل خيارًا مناسبًا للادخار والاستثمار طويل المدى خلال الفترة الحالية، لكنه حذر في الوقت نفسه من المضاربات السريعة، نظرًا لحالة التقلب التي تشهدها الأسواق وتأثر الأسعار المستمر بالأحداث السياسية والاقتصادية الدولية.
من جانبه، قال سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة»، إن المعدن الأصفر دخل خلال الفترة الأخيرة في مسار هبوطي أفقده جانبًا كبيرًا من المكاسب التي حققها سابقًا، مرجعًا ذلك إلى تراجع المخاوف الجيوسياسية وتحسن شهية المستثمرين تجاه أصول أخرى.
وأوضح إمبابي أن بعض التوقعات التي تحدثت عن وصول الذهب إلى مستويات قياسية جديدة كانت مبالغًا فيها، مشيرًا إلى أن السوق يمر حاليًا بمرحلة تصحيح طبيعية للأسعار عقب الارتفاعات القوية التي شهدها خلال الأشهر الماضية.
التوترات السياسية تظل العامل الحاسم
وأضاف إمبابي أن مستقبل أسعار الذهب سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتطورات السياسية العالمية، خاصة ما يتعلق بالأوضاع بين إيران وإسرائيل.
وأكد أن أي تهدئة أو تسوية للصراعات القائمة قد تدفع المستثمرين إلى البيع وجني الأرباح، بما يضغط على الأسعار نحو مزيد من الانخفاض، بينما قد يؤدي استمرار التوترات إلى عودة الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات عدم اليقين.
كما شدد على أهمية الاستثمار في الذهب من خلال أموال فائضة عن الاحتياجات الأساسية، محذرًا من المضاربة قصيرة الأجل بسبب حساسية الأسعار للتغيرات العالمية وتقلبات سعر صرف الدولار محليًا.
الفضة بديل استثماري لتقليل المخاطر
وأشار إمبابي إلى أن الفضة يمكن أن تمثل خيارًا استثماريًا مكملًا للذهب، موصيًا بتوزيع الاستثمارات بين المعدنين بما يساعد على تنويع المحافظ الاستثمارية وتقليل المخاطر المحتملة مع تعزيز فرص تحقيق عوائد أفضل.
البنوك المركزية تدعم مستقبل الذهب
وفي السياق ذاته، قال أمير رزق، خبير المشغولات الذهبية، إن أسعار الذهب سجلت تراجعًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية، لافتًا إلى أن سعر جرام الذهب عيار 21 فقد نحو 400 جنيه مقارنة بمستوياته السابقة.
وأوضح رزق أن عددًا من البنوك المركزية الكبرى، من بينها الصين وروسيا والهند واليابان، يواصل زيادة احتياطياته من الذهب باعتباره أحد أهم الأصول القادرة على الحفاظ على القيمة في أوقات التقلبات الاقتصادية.
وأضاف أن استمرار الطلب العالمي على المعدن النفيس، إلى جانب اتجاه الدول لتعزيز احتياطياتها الذهبية، يعزز من فرص صعود الأسعار على المدى الطويل ويحافظ على جاذبية الذهب كوعاء ادخاري واستثماري.
واختتم رزق تصريحاته بالتأكيد على أن المستويات السعرية الحالية تمثل فرصة مناسبة للراغبين في الاستثمار، مشددًا على أهمية الاحتفاظ بالذهب لفترة لا تقل عن ستة أشهر للاستفادة من أي ارتفاعات مستقبلية محتملة وتحقيق عائد استثماري مجزٍ.



