شهدت أسواق الطاقة العالمية حالة من الارتياح والترقب عقب الإعلان عن توقيع اتفاق مبدئي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز الإستراتيجي.
هذا التطور الدبلوماسي البارز دفع كبرى البنوك والمؤسسات المالية العالمية إلى مراجعة وتخفيض توقعاتها لأسعار النفط خلال الأشهر المقبلة، بالتزامن مع تراجع ملحوظ في أسعار الوقود بالتجزئة داخل الولايات المتحدة، مما يمنح إدارة الرئيس دونالد ترمب متنفسًا سياسيًا واقتصاديا هاما.
وول ستريت تعيد حساباتها
تفاعلت المصارف الاستثمارية الكبرى سريعا مع الأنباء القادمة من واشنطن وطهران، حيث سارع بنكا مورجان ستانلي وجولدمان ساكس إلى خفض توقعاتهما لأسعار النفط، مدفوعين بانحسار المخاوف من تعطل الإمدادات في منطقة الخليج التي تعد شريان الطاقة العالمي.
وأعلن مورجان ستانلي خفض توقعاته لسعر خام برنت في الربع الرابع من العام الجاري بمقدار 15 دولارا دفعة واحدة، لتستقر التوقعات عند 80 دولارا للبرميل.
وقال البنك في مذكرة بحثية: “نرجح أن يستغرق الأمر عدة أسابيع حتى تعود حركة ناقلات النفط إلى طبيعتها، ونتوقع عودة 50% من الإنتاج بحلول سبتمبر و80% بحلول ديسمبر ، وهي وتيرة أسرع قليلا من التقديرات السابقة”.
بدوره سار جولدمان ساكس في الاتجاه ذاته وخفض توقعاته لخام برنت في الربع الرابع من 90 دولارا إلى 80 دولارا للبرميل، كما قلص تقديراته لمتوسط السعر في عام 2027 إلى 75 دولارا (بدلا من 80 دولارا).
وتوقع محللو البنك عودة صادرات الخليج إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول نهاية يوليو المقبل، متجاوزين توقعاتهم السابقة التي كانت تشير إلى نهاية أغسطس.
حركة الأسعار والتراجع السريع
وجاءت هذه المراجعات الحادة بعد أن تراجعت أسعار النفط بنحو 5% في جلسات مطلع هذا الأسبوع، مسجلة أدنى مستوياتها منذ 10 مارس الماضي، فور إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن توقيع مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.
وبحلول صباح اليوم الثلاثاء، استقرت الأسعار على انخفاض، حيث سجلت العقود الآجلة لخام برنت تراجعا بنسبة 0.3% ليصل إلى 82.94 دولارا للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 0.1% ليصل إلى 80.66 دولارا للبرميل.
البنزين في أمريكا يكسر “الحاجز النفسي”
على الجانب الآخر من المحيط، انعكست أصداء الاتفاق سريعا على محطات الوقود الأمريكية، إذ تراجع متوسط أسعار بيع البنزين بالتجزئة إلى ما دون 4 دولارات للغالون للمرة الأولى منذ منتصف أبريل الماضي، بعد أن كان قد سجل مستويات قياسية بلغت 4.5 دولارات في مايو المنصرم.
ويمثل سعر 4 دولارات للجالون حاجزا نفسيا واقتصاديا في الولايات المتحدة، حيث يبدأ المستهلكون عنده عادة في تقليص استهلاكهم وتغيير سلوكياتهم الشرائية. ورغم هذا الانخفاض، فإن الأسعار لا تزال مرتفعة بمقدار 90.8 سنتًا مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويعد هذا الهبوط في أسعار الوقود بمثابة طوق نجاة مؤقت لإدارة الرئيس دونالد ترمب والجمهوريين، الذين يواجهون ضغوطا وانتقادات حادة من الناخبين بسبب التضخم وتكلفة الطاقة، في وقت يستعدون فيه لمعركة شرسة للدفاع عن أغلبيتهم الضئيلة في مجلسي النواب والشيوخ خلال انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر القادم.
ورغم هذه الأجواء الإيجابية، يرى خبراء ومحللون في “جولدمان ساكس” أن أزمة الطاقة لن تنتهي بين ليلة وضحاها، محذرين من تحديات لوجستية وأمنية معقدة.
في النهاية، تظل الأيام والأسابيع المقبلة هي الاختبار الحقيقي لمدى صمود مذكرة التفاهم “الأمريكية الإيرانية”. وبينما تتنفس الأسواق والمستهلكون الصعداء مؤقتا، فإن العودة الكاملة إلى الاستقرار الاقتصادي والسياسي ستبقى مرهونة بالخطوات العملية على الأرض لضمان أمن الملاحة الدولية وديمومة الاتفاق.



