تواجه عواصم العالم اختبارا معقدا لإدارة الأزمات مع اتساع رقعة الصراع الأميركي مع إيران، إذ تحولت المخاوف من تداعيات إغلاق مضيق هرمز إلى خطر حقيقي يهدد بقطع شريان الطاقة العالمي.
هذا المشهد المرتبك دفع الدول إلى استدعاء أدوات التدخل السريع والاستثنائي لامتصاص الصدمة، قبل أن تتحول إلى اضطرابات في الشارع أو نزيف مالي لا يمكن السيطرة عليه.
أوروبا.. دعم مباشر وتخفيضات ضريبية
في مواجهة الأزمة، تحركت الحكومات الأوروبية عبر مزيج من حزم الدعم والتسهيلات الضريبية، حيث يدرس الاتحاد الأوروبي إنفاقا أوسع لدعم الشركات وتخزين وقود الطائرات.
وفي السياق ذاته، رصدت اليونان 800 مليون يورو لدعم المزارعين والأسر، بينما مددت إيطاليا، وهولندا، ورومانيا، وبولندا تخفيضات ضريبية وإجراءات لضبط أسعار الوقود، في حين خفضت صربيا الرسوم الجمركية على النفط الخام بنسبة 60%.
آسيا.. بين المخزونات وترشيد الاستهلاك
في آسيا، اتجهت البوصلة نحو إجراءات أكثر تشددا لضمان كفاية المعروض المحلي، إذ فتحت اليابان مخزونها الاستراتيجي ودعمت البنزين بناء على خام دبي.
بينما رفعت الهند الرسوم على الصادرات النفطية وحثت على العمل من المنزل، وهو النهج الذي طبقته إندونيسيا أيضا التي تستعد لإطلاق برنامج الديزل الحيوي (B50) في يوليو المقبل.
من جانبها، رفعت كوريا الجنوبية نسبة تشغيل المحطات النووية إلى 80%، وخصصت الفلبين 20 مليار بيزو كصندوق طوارئ، في حين رفعت ماليزيا دعم البنزين إلى ملياري رينغيت.
ولحماية قطاعها الزراعي، شددت الصين قيود تصدير الأسمدة واليوريا، بينما بدأت أستراليا السحب من احتياطياتها النفطية.
الأسواق الناشئة.. رحلة البحث عن التمويل
تواجه الاقتصادات الناشئة الضغوط الأشد؛ نظرا لأن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على احتياطيات العملة الأجنبية ويفاقم عجز الموازنة والتضخم في آن واحد.
وفي هذا الصدد، تسعى بنغلاديش للحصول على تمويلات مليارية رغم اضطرارها لرفع أسعار الوقود محليا، بينما رفع البنك المركزي في سريلانكا أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس مع تراجع عملتها، وتتفاوض كولومبو لشراء النفط الخام من روسيا والصين بتمويل دولي وهندي تبلغ قيمته 1.73 مليار دولار.
أميركا اللاتينية وإفريقيا.. دعم وانتقائية في الرسوم
أعلنت البرازيل عن حزمة إجراءات تشمل دعم الديزل وغاز البترول المسال، وخفض الضرائب على وقود الطائرات والديزل الحيوي، إلى جانب دراسة تسريع اختبار مزج نسب أعلى من الوقود الحيوي في الديزل التقليدي.
وفي الأرجنتين، رفعت الحكومة جزئيا ضرائب الوقود لكنها أجلت أي زيادات إضافية حتى يونيو الجاري.
أما في إفريقيا، فقد خفضت كينيا وناميبيا رسوم الوقود مؤقتا، واتجهت موريشيوس لترشيد استهلاك الكهرباء في القطاعات غير الأساسية، بينما رفعت مصفاة “دانغوت” النيجيرية من حجم صادراتها للبنزين واليوريا نحو الدول المجاورة المتضررة من نقص الإمدادات.
عجز الموازنات والتكلفة المالية
تضع هذه التدخلات الواسعة الماليات العامة للدول تحت ضغط شديد، فسياسات الدعم وخفض الضرائب تحمي المستهلكين مؤقتا لكنها تعمق عجز الموازنات.
كما تكشف الأزمة عن مفارقة حادة، فالحكومات التي تعهدت لسنوات بتقليص دعم الوقود الأحفوري، تجد نفسها اليوم مجبرة على التوسع فيه حماية للاستقرار الاجتماعي، مما أعاد “الفحم” و”الطاقة النووية” إلى صدارة خطط الطوارئ العاجلة.
ملاجئ مؤقتة في مهب الريح
في نهاية المطاف، تكشف هذه الاستجابات الدولية المتلاحقة أن خطط التحصين الحالية ليست سوى مسكنات موضعية وملاجئ مؤقتة لتهدئة روع الأسواق.
إن هذا الاختبار يضع الإرادة السياسية العالمية أمام حقيقة وجودية واحدة، وهي أن صياغة ممر آمن ومستدام للمستقبل تقتضي الموازنة الصعبة والدقيقة بين علاج التضخم الآني، وصيانة الاستقرار المالي طويل الأجل.







