لم تعد المخلفات في مصر مجرد تحدٍ بيئي أو عبء اقتصادي يتطلب التخلص منه، بل أصبحت موردًا إنتاجيًا يدخل في صناعات متعددة ويوفر فرصًا استثمارية جديدة، ومع توسع الدولة في تطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يعتمد على إعادة استخدام الموارد وتعظيم الاستفادة منها، بدأت النفايات الصناعية والزراعية والبلدية تتحول إلى مواد خام ومنتجات ذات قيمة مضافة تدعم الصناعة الوطنية وتفتح آفاقًا جديدة للنمو.
وخلال السنوات الأخيرة، وضعت الحكومة ملف إدارة المخلفات ضمن أولوياتها، مستهدفة رفع معدلات إعادة التدوير وتوسيع الاستفادة الاقتصادية من المخلفات. ويعكس هذا التوجه تحولًا مهمًا من الاعتماد على جمع النفايات والتخلص منها إلى استغلالها كمصدر للمواد الخام والطاقة.
ويُعد قطاع إعادة تدوير البلاستيك من أبرز تطبيقات الاقتصاد الدائري في مصر، حيث تشهد صناعة التدوير نموًا متزايدًا من خلال جمع وفرز المخلفات وتحويلها إلى حبيبات بلاستيكية تستخدم مجددًا في العمليات الصناعية. كما برزت نماذج مبتكرة مثل شركة “بكيا”، التي تعتمد على منصة رقمية تتيح للمواطنين استبدال المخلفات بسلع وخدمات، بما يساهم في دمج الأفراد داخل منظومة إعادة التدوير.
ولا تقتصر جهود التدوير على الشركات المنظمة فقط، إذ تمثل مناطق مثل منشية ناصر بالقاهرة نموذجًا مهمًا للاقتصاد غير الرسمي، حيث تعتمد آلاف الأسر على فرز المخلفات وإعادة تدويرها كمصدر رئيسي للدخل، بما يساهم في تقليل كميات النفايات وتحقيق عائد اقتصادي منها.
وفي قطاع المعادن، أصبحت إعادة تدوير الحديد والألومنيوم والنحاس خيارًا اقتصاديًا مهمًا للمصانع، خاصة مع ارتفاع أسعار الخامات عالميًا، حيث يساعد التدوير على تقليل تكاليف الإنتاج وخفض استهلاك الطاقة مقارنة باستخدام المواد الخام الأولية.
كما يشهد قطاع الوقود البديل توسعًا ملحوظًا، خاصة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمنت. وأصبحت المخلفات مصدرًا بديلًا للوقود التقليدي، ما يسهم في خفض الانبعاثات وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ضمن توجهات الدولة نحو الاقتصاد الأخضر.
وامتدت تطبيقات الاقتصاد الدائري إلى القطاع الزراعي، حيث بدأت مخلفات المحاصيل الزراعية، التي كانت تمثل مصدرًا للتلوث البيئي، تدخل في صناعات متعددة تشمل إنتاج الأسمدة العضوية والأعلاف والوقود الحيوي والمواد العازلة، ما يوفر قيمة اقتصادية وفرص عمل جديدة بالمحافظات الزراعية.
ويرى خبراء، أن الاقتصاد الدائري يعد من أسرع القطاعات نموًا خلال السنوات المقبلة، خاصة مع زيادة حجم المخلفات وتطور التشريعات الداعمة للاستثمار في هذا المجال، وعلى رأسها قانون تنظيم إدارة المخلفات، الذي فتح المجال أمام مشاركة أكبر للقطاع الخاص في مشروعات التدوير وإدارة المخلفات.
ومع تزايد استخدام المواد المعاد تدويرها والتوسع في الصناعات الخضراء، لم يعد التحدي الرئيسي يتمثل في التخلص من النفايات، بل في كيفية تعظيم العائد الاقتصادي منها، بما يجعل الاقتصاد الدائري أحد المحركات الجديدة لنمو الصناعة المصرية ودعم التنمية المستدامة.







