تتجه الأنظار إلى العاصمة الإيرانية طهران مع اقتراب انطلاق مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني السابق “علي خامنئي”، الذي قُتل في 28 فبراير الماضي جراء غارات جوية أمريكية وإسرائيلية، في حدث تستعد له السلطات الإيرانية بحشد واسع من الإجراءات التنظيمية والأمنية واللوجستية، وتسعى إلى تقديمه بوصفه مناسبة وطنية ودولية كبيرة، بالتزامن مع ترقب تطورات المسار التفاوضي بين طهران وواشنطن.
وتكتسب المراسم أهمية خاصة في ضوء ما أعلنته الجهات الإيرانية من مشاركة وفود وشخصيات أجنبية واسعة، بالتزامن مع ترقب استئناف الاتصالات الدبلوماسية بين طهران وواشنطن عقب انتهاء مراسم التشييع.
وكانت قد أعلنت السلطات الإيرانية في وقت سابق، جدول مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل والتي ستستمر على مدار 6 أيام متواصلة بدءاً من السبت 4 يوليو وحتى الخميس 9 يوليو.
وتتوزع مراسم التشييع بين عدة محطات رئيسية، حيث تنطلق من العاصمة طهران بمراسم وداع شعبي في مصلّى الإمام الخميني، تليها جنازة رسمية يوم 6 يوليو، ثم مدينتي النجف وكربلاء في العراق يوم 8 يوليو
ومن المقرر أن يُدفن “خامنئي” في مرقد الإمام “الرضا” بمدينة مشهد، مسقط رأسه، وهو من أبرز المواقع الدينية في إيران وأحد أهم المزارات المقدسة لدى الشيعة.
مشاركة دولية واسعة
وفي مؤشر على حجم الحضور المتوقع، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “إسماعيل بقائي”، اليوم الخميس، إن مراسم الوداع والتشييع تمثل “حدثًا تاريخيًا” للشعب الإيراني والمسلمين، موضحًا أن برنامج المراسم يبدأ، صباح غدٍ الجمعة، بمشاركة شعبية واسعة، على أن يشهد الجزء الثاني من الفعاليات حضور مسؤولين وشخصيات سياسية من الخارج.
وأضاف “بقائي”، وفق ما نقلته وكالة “تسنيم“، أن إيران ستستضيف ممثلين عن نحو 100 دولة، بينهم رؤساء دول وبرلمانات ووزراء خارجية ومبعوثون حكوميون وشخصيات سياسية وشعبية.
دعوات لحضور واسع ومنظم
وتحرص السلطات الإيرانية على تشجيع المشاركة الشعبية الواسعة مع التركيز في الوقت نفسه على الجوانب التنظيمية والأمنية.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” أن المشاركة في مراسم التشييع لا تقتصر على الحضور في الموقع الرئيسي للمراسم، مشيرًا إلى أن جميع المواطنين الموجودين على الطرق والمسارات والمناطق المحيطة يعدون جزءًا من مراسم الوداع والتشييع، بحسب وكالة “فارس“.
كما دعا “بزشكيان” إلى توفير الظروف المناسبة لضمان مشاركة المواطنين بأمن وسهولة، مع التشديد على مراعاة الاعتبارات الصحية بالنسبة للأطفال وكبار السن وأصحاب الحالات الصحية الخاصة وتجنب وجودهم في المناطق شديدة الازدحام.
قاليباف: الحضور الجماهيري رسالة إلى الخارج
وفي سياق الدعوات الرسمية لتكثيف المشاركة الشعبية، دعا رئيس البرلمان الإيراني “محمد باقر قاليباف” الإيرانيين إلى المشاركة الواسعة في مراسم تشييع “خامنئي”، معتبرًا أن الحدث يتجاوز كونه مراسم وداع إلى كونه تجديدًا للعهد.
وقال “قاليباف”، في رسالة وجهها إلى الإيرانيين، نقلتها وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية “إرنا“، إن الحضور الجماهيري المرتقب سيبعث برسالة سياسية مفادها تمسك الشعب بخياراته واستمراره في مواجهة ما وصفه بالضغوط والتهديدات الخارجية، داعيًا إلى إيصال “صوت الأمة المطالب بالقصاص” إلى العالم، والتأكيد أن إيران لن تلتزم الصمت إزاء ما تعتبره اعتداءً على قيادتها ورموزها.
طهران تستنفر إمكاناتها
وتكشف الإجراءات التي أعلنتها السلطات المحلية عن حجم الاستعدادات الموضوعة لاستقبال أعداد كبيرة من المشاركين والزائرين القادمين من داخل إيران وخارجها.
فقد أعلن محافظ طهران “محمد صادق معتمديان” بدء برامج استقبال الزائرين والوفود اعتبارًا من السبت، مؤكدًا حشد الإمكانات الوطنية والمحلية لإدارة النقل والمرور والخدمات الصحية والإغاثية وتأمين احتياجات المشاركين حتى انتهاء المراسم وعودتهم إلى مناطقهم.
وأوضح “معتمديان” خلال مؤتمر صحفي، نقلته وكالة “إرنا“، أن الخطط تشمل تجهيز مستشفيات ميدانية، ونشر مئات سيارات الإسعاف والحافلات الطبية، وإعداد سيناريوهات خاصة لإدارة الحشود وحركة المرور، إلى جانب تعزيز شبكات الاتصالات وعدم فرض أي قيود على خدمات الإنترنت خلال فترة المراسم.
خطة استقبال ضخمة
ويبرز الجانب اللوجستي كأحد أبرز ملامح الاستعدادات الجارية، إذ أعلنت السلطات تجهيز أكثر من 5 آلاف مدرسة 700 مسجد لاستقبال الزائرين، إضافة إلى الاستفادة من الملاعب الرياضية والصالات الكبرى في العاصمة.
كما جرى إعداد خطة لتوزيع الزائرين على مختلف مناطق طهران لتجنب الازدحام، مع تجهيز المساجد بمولدات كهربائية وخزانات مياه ومرافق خدمية، فيما تشير التقديرات الرسمية إلى إمكانية استيعاب ما بين 500 ألف و600 ألف شخص داخل مرافق الإسكان المخصصة للمشاركين، وفقا لما ذكره محافظ طهران.
المفاوضات تنتظر انتهاء التشييع
وبينما تركز طهران على إنجاح مراسم التشييع، تظهر المؤشرات الدبلوماسية أن الحدث أصبح عاملًا مؤثرًا في جدول الاتصالات السياسية الجارية بين إيران والولايات المتحدة.
فقد أعلنت وزارة الخارجية القطرية أن الوسطاء القطريين والباكستانيين عقدوا في الدوحة اجتماعات منفصلة مع المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين، وأسفرت المناقشات عن تقدم إيجابي بشأن القضايا المرتبطة بمذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد استنادًا إلى مخرجات قمة بحيرة لوسيرن بسويسرا.
ووفق البيان، اتفقت الأطراف على مواصلة المباحثات خلال الفترة المقبلة، على أن يُحدد موعد الجولة التالية في أقرب فرصة ممكنة بعد انتهاء مواكب تشييع المرشد الأعلى الإيراني السابق.
بين مراسم التشييع ومسار المفاوضات
وتشير هذه المعطيات إلى أن طهران تنظر إلى مراسم التشييع بوصفها محطة سياسية إلى جانب بعدها الشعبي والرمزي، في وقت تترقب فيه الأوساط الإقليمية والدولية ما ستسفر عنه المفاوضات غير المباشرة مع واشنطن بعد انتهاء المراسم.
وبينما تسعى السلطات الإيرانية إلى إظهار حجم الالتفاف الشعبي والحضور الدولي خلال أيام التشييع، تبدو الأنظار متجهة أيضًا إلى ما بعد انتهاء هذه المناسبة، حيث ينتظر الطرفان الإيراني والأمريكي استكمال المسار التفاوضي الذي شهد مؤشرات أولية على استمرار الحوار رغم تعقيدات الملفات العالقة.
اقرأ أيضا: مليارات وهرمز والنفط.. ماذا ربحت إيران من مذكرة التفاهم مع واشنطن؟


