في وقت تتسع فيه الفجوة بين احتياجات المستشفيات وأعداد الأطباء العاملين بها، عاد ملف القبول بكليات الطب إلى صدارة المشهد من جديد، بعد مطالبة نقابة الأطباء بخفض أعداد المقبولين بالكليات الصحية حفاظًا على جودة التعليم والتدريب الإكلينيكي.
وفي المقابل، يرى عدد من أعضاء مجلس النواب أن الأزمة لا تكمن في أعداد الخريجين، وإنما في استمرار هجرة الأطباء إلى الخارج وضعف بيئة العمل، ما يطرح تساؤلات حول الأولويات الحقيقية لإصلاح المنظومة الصحية، وما إذا كان تقليل أعداد الطلاب يمثل الحل أم أن الأزمة تحتاج إلى رؤية أكثر شمولًا.
تحركات برلمانية
بالتوازي مع الجدل الدائر، كثفت لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب تحركاتها لمعالجة أوجه القصور داخل القطاع الصحي، وأوصت الحكومة بسرعة رفع كفاءة أقسام الطوارئ بالمستشفيات، وسد العجز في الأطقم الطبية، وصرف المستحقات المالية المتأخرة للعاملين بالقطاع، إلى جانب إدراج المشروعات الصحية المتوقفة ضمن الخطط الاستثمارية، بما يضمن توفير التمويل اللازم لاستكمالها وتشغيلها.
وأكدت اللجنة أن تحسين بيئة العمل داخل المستشفيات بات ضرورة لا تحتمل التأجيل، باعتباره أحد المحاور الأساسية لدعم المنظومة الصحية وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
النقابة تتمسك بخفض القبول
وفي المقابل، جددت النقابة العامة للأطباء مطالبتها لوزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات بخفض أعداد المقبولين بالكليات الصحية خلال العام الجامعي 2026-2027، تنفيذًا لتوصيات اللجنة التنسيقية لقطاع الكليات الصحية.
وقالت النقابة: “نؤيد تنفيذ توصيات خفض أعداد المقبولين بالكليات الصحية، لأن الحفاظ على جودة التعليم الطبي أصبح أولوية، في ظل محدودية إمكانات التدريب الإكلينيكي والطاقة الاستيعابية للمستشفيات الجامعية.”
وأضافت: “الزيادة المستمرة في أعداد الطلاب دون توفير أماكن تدريب كافية تؤثر بصورة مباشرة على مستوى تأهيل الطبيب، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة الخدمة الصحية المقدمة للمواطن.”
وشددت النقابة على ضرورة وقف قبول طلاب جدد بكليات الطب التي لم تستوف الاشتراطات القانونية الخاصة بإنشاء مستشفى جامعي خلال المهلة المحددة، مؤكدة استعدادها للتعاون مع جميع الجهات المعنية لتطوير منظومة التعليم والتدريب الطبي.
الأزمة في الهجرة
في المقابل، تقدم وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، الدكتور أيمن محسب، بطلب إحاطة دعا فيه الحكومة إلى إعداد استراتيجية وطنية متكاملة لمواجهة أزمة نقص الأطباء والحد من هجرتهم.
وقال محسب: “خفض أعداد المقبولين بكليات الطب لن يكون حلًا حقيقيًا إذا استمرت أسباب هجرة الأطباء دون معالجة، لأن المشكلة الأساسية ليست في عدد الخريجين، وإنما في فقدان الدولة لآلاف الأطباء بعد تأهيلهم.”
وأضاف: “لدينا نحو 260 ألف طبيب مقيد بنقابة الأطباء، بينما يعمل داخل مصر قرابة 120 ألف طبيب فقط، في حين يعمل أكثر من 110 آلاف طبيب بالخارج، وهذه الأرقام تؤكد أن الأزمة الحقيقية تتمثل في نزيف الكفاءات الطبية.”
فجوة مقلقة
وأشار محسب إلى أن معدل الأطباء في مصر لا يزال أقل من المعدلات الدولية، موضحًا: “تبلغ الكثافة الطبية نحو 9 أطباء لكل عشرة آلاف مواطن، بينما يصل المعدل المرجعي عالميًا إلى 23 طبيبًا، وهو ما يكشف عن فجوة كبيرة تحتاج إلى حلول طويلة المدى، خاصة مع التوسع في منظومة التأمين الصحي الشامل والزيادة السكانية المستمرة.”
وأكد أن استمرار خفض أعداد المقبولين دون معالجة أسباب الاستقالات والهجرة قد يؤدي إلى تفاقم أزمة العجز خلال السنوات المقبلة.
التوسع في التدريب هو الحل
ويرى وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية أن أزمة التدريب الإكلينيكي لا يمكن حلها من خلال تقليل أعداد الطلاب فقط.
وقال: “المطلوب هو التوسع في إنشاء وتطوير المستشفيات الجامعية والتعليمية، وزيادة الطاقة الاستيعابية للتدريب العملي، مع ربط أعداد المقبولين في كل كلية بقدرتها الفعلية على توفير تدريب إكلينيكي مناسب.”
وأضاف أن جميع كليات الطب، سواء الحكومية أو الخاصة أو الأهلية، يجب أن تلتزم بمعايير التدريب والجودة قبل السماح لها بزيادة أعداد المقبولين.
مطالب للحكومة
وطالب محسب الحكومة بتقديم بيانات دقيقة حول حجم العجز الفعلي في أعداد الأطباء داخل المحافظات والتخصصات المختلفة، وعدد الأطباء العاملين داخل مصر مقارنة بإجمالي المسجلين بالنقابة، فضلًا عن أعداد من غادروا للعمل بالخارج خلال السنوات الخمس الماضية وأسباب هجرتهم.
كما دعا إلى إعداد دراسة قومية تحدد الاحتياجات الفعلية للدولة من الأطباء حتى عام 2035، وربط سياسات القبول بكليات الطب بنتائج هذه الدراسة، بما يضمن تحقيق التوازن بين جودة التعليم واحتياجات سوق العمل.
معادلة تحتاج إلى توازن
ويكشف الجدل الدائر أن مستقبل التعليم الطبي في مصر يقف أمام معادلة معقدة؛ فبينما تتمسك نقابة الأطباء بضرورة الحفاظ على جودة التعليم والتدريب من خلال تنظيم أعداد المقبولين، يرى نواب بالبرلمان أن الأولوية يجب أن تكون للاحتفاظ بالكفاءات الطبية وتحسين بيئة العمل، بما يضمن وقف نزيف الهجرة وسد العجز المتزايد داخل المستشفيات.
وبين هذين الاتجاهين، يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة هو صياغة سياسة متوازنة تحقق جودة إعداد الطبيب، وفي الوقت نفسه تلبي الاحتياجات المتزايدة للمنظومة الصحية خلال السنوات المقبلة.







