شهدت البورصة المصرية أداءً لافتًا خلال الأسبوع الماضي، مدعومة بتحسن شهية المستثمرين الأجانب، تزامنًا مع إعلان هدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ما انعكس إيجابًا على السوق، حيث ارتفعت القيمة السوقية بنسبة 4.4% لتصل إلى نحو 3.426 تريليون جنيه، محققة مكاسب تقارب 145 مليار جنيه.
إلا أن هذا التحسن يظل هشًا في ظل التطورات المتسارعة، إذ أعادت مؤشرات فشل المحادثات وتصاعد التوترات الجيوسياسية المخاوف إلى الأسواق العالمية، خاصة مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط، وهو ما يمثل صدمة جديدة للاقتصاد العالمي.
وتكمن أبرز مصادر القلق في تهديد إمدادات الطاقة، حيث تشير التقديرات إلى احتمالية فقدان ما يصل إلى مليوني برميل نفط يوميًا، في حال استمرار اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز، ما يضغط على تكاليف الإنتاج ويزيد من معدلات التضخم عالميًا.
واستطلعت «البورصجية» آراء خبراء سوق المال حول مدى تأثير عودة الحرب على البورصة المصرية، خاصة على قطاع البتروكيماويات.
مرونة السوق المصري رغم التوترات
من جانبها، رأت دعاء زيدان، خبيرة أسواق المال، أن التوترات الجيوسياسية الحالية تختلف عن الفترات السابقة، موضحة أن عودة المستثمرين الأجانب للسوق المصري لم تكن نتيجة انتهاء التوترات، بل نتيجة ثقة في كفاءة السوق.
وأضافت أن السوق المصري أثبت قوته خلال الأزمات، حيث تمكن من الصمود أمام التوترات، حتى تلك التي حدثت خلال فترات الإجازات الأخيرة، مشيرة إلى وجود صافي شراء للأجانب قبل الإجازة، وهو ما يعكس ثقة واضحة.
وأكدت أن عودة الأجانب ليست بسبب الهدنة، ولكن لأن السوق أثبت كفاءة في إدارة الأزمات، وأصبح يمثل بيئة آمنة نسبيًا للاستثمار، ما يجعله قبلة للمستثمرين العرب والأجانب، ونقطة جذب لنقل الاستثمارات إليه.
وأوضحت أن المرحلة الماضية تختلف عن المرحلة المقبلة، حيث أظهر السوق قدرة كبيرة على التعامل مع الضغوط، خاصة في ظل خروج الأموال الساخنة، إذ نجح في إدارة تلك المرحلة بكفاءة، من خلال توفير السيولة وسهولة دخول وخروج المستثمرين دون أزمات.
وأضافت أن المؤسسات المصرية لعبت دورًا مهمًا في استيعاب عمليات البيع، وإدارة السوق بكفاءة عالية، وهو ما ساهم في الحفاظ على استقراره.
وأشارت إلى أن السوق يضم عددًا من الشركات القوية، خاصة في قطاع الأسمدة، لافتة إلى وجود شركات تحقق نموًا قويًا في الأرباح، مع توزيعات مجزية، وهو ما يعزز جاذبية السوق.
كما لفتت إلى أن بعض الشركات تمكنت من التكيف مع أزمة الغاز، عبر إعادة هيكلة مصادرها والاعتماد على بدائل، إلى جانب وجود اتفاقيات جديدة لتوفير إمدادات من مصادر أخرى، وهو ما يعكس قدرة الشركات على امتصاص الصدمات.
وأكدت أن السوق خلال الفترة المقبلة سيشهد أداءً مختلفًا، خاصة خلال الربع الثاني من العام، في ظل العمل على عدة ملفات من شأنها زيادة عمق السوق وتعزيز جاذبيته.
رؤية فنية لحركة السوق
ومن جانبها، رأت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، أن البورصة المصرية تسير خلال الفترة الحالية بطريقة فنية بحتة، حيث تستجيب بشكل أساسي لنتائج الأعمال والتوزيعات النقدية والعينية.
وأوضحت أن هناك تساؤلات لدى المتعاملين مع بداية شهر تداول جديد، خاصة مع عودة المؤسسات إلى الشراء مرة أخرى، لاسيما المؤسسات المحلية التي تستحوذ على نحو 85% من إجمالي تداولات السوق، وهو ما يدعم صعود المؤشرات بشكل تدريجي.
وأضافت أن المؤشر الرئيسي يتحرك حاليًا قرب مستوى 49 ألف نقطة، بينما يتداول مؤشر الشركات الصغيرة والمتوسطة قرب مستوى 13 ألف نقطة، وهو ما يؤهل المؤشرات لمواصلة رحلة الصعود.
وأشارت إلى أن بعض المتعاملين يميلون إلى تخفيف مراكزهم خلال فترات الإجازات، مثل عطلات نهاية الأسبوع أو الأعياد، نتيجة حالة القلق، على أن يعاودوا الشراء مرة أخرى وفقًا لمؤشرات التحليل الفني.
وأوضحت أنه مع وصول المؤشر إلى مستويات 49 ألف نقطة، واستهداف 49.5 ألف ثم 50 ألف نقطة، قد تظهر بعض عمليات جني الأرباح من قبل المستثمرين الذين كونوا مراكز عند مستويات سعرية منخفضة.
وأكدت أن الأسهم التي ستحظى باهتمام أكبر هي تلك التي تحقق نتائج أعمال قوية وتقدم توزيعات نقدية وعينية جيدة، مشيرة إلى أن هذه الفرص متاحة في عدة قطاعات، من بينها البنوك، والبتروكيماويات، والعقارات، ومواد البناء، خاصة الأسمنت.
وأضافت أن الاتجاه الحالي في السوق يركز على الأسهم ذات التوزيعات المرتفعة، مع وجود مقارنات مستمرة بين الشركات داخل نفس القطاع وفقًا لنتائج الأعمال والتوزيعات.
وأكدت أن تأثير الحروب يكون قويًا في بدايته، لكنه يتراجع مع الوقت مع تعود الأسواق، كما حدث في أزمات سابقة، مثل الحرب الروسية الأوكرانية أو حرب غزة، حيث يتحول تركيز المستثمرين لاحقًا إلى نتائج الأعمال والتحليل الفني.
وأضافت أن السيولة وتحركات المؤسسات تظل العامل الأهم في دعم أداء السوق، بينما تظل أخبار الحرب عاملًا مؤثرًا لكن بدرجة أقل مع مرور الوقت.
وأوضحت أن تحركات المؤسسات قد تدفع بعض المستثمرين الأفراد إلى تقليدها، سواء في تقليص المراكز أو زيادتها، مشيرة إلى أن الأسعار الحالية في السوق تُعد جاذبة، مع وجود مستويات دعم قوية تدفع المستثمرين لتكوين مراكز شرائية.
تحذيرات من تداعيات استمرار الحرب
ومن جانبه، قال مينا رفيق، خبير أسواق المال، إن استمرار الحرب لفترة أطول من شأنه أن يزيد من التأثيرات السلبية على النشاط الاقتصادي العالمي وحركة التجارة العالمية، حيث تؤدي التوترات إلى تراجع سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار النفط، خاصة مع احتمالات غلق مضيق هرمز.
وأضاف أن ذلك سينعكس في صورة ارتفاع معدلات التضخم عالميًا، وهو ما قد يلقي بظلاله على قرارات البنوك المركزية فيما يتعلق بالسياسة النقدية، والتي قد تتجه نحو التشديد، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع المصروفات التمويلية على الشركات.
وأشار إلى أن هذه التطورات تتزامن مع تراجع حجم المبيعات نتيجة انخفاض الطلب، في ظل الضغوط التضخمية، وهو ما يشكل ضغطًا إضافيًا على أداء الشركات.
وأوضح أنه رغم هذه التحديات، قد تلجأ بعض الشركات إلى زيادة حجم التصدير، مستفيدة من تراجع العملة المحلية، وهو ما يساهم في تعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية.
وأضاف أن هناك بعض القطاعات التي قد تستفيد من هذه الأوضاع، مثل قطاع الطاقة والبتروكيماويات، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، بما يدعم هوامش الربحية.
وأكد أن العامل الأهم في بعض القطاعات، خاصة قطاع الأسمدة، يتمثل في تأمين إمدادات الغاز، نظرًا لاعتماد هذه الصناعة بشكل رئيسي عليه، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار اليوريا العالمية يدعم أداء الشركات العاملة في هذا القطاع، رغم التحديات المرتبطة بالطاقة.




